محمد الحرز

محمد الحرز

لكن إذا كان الإسلام هو المرجعية التي يتغذى عليها خطاب محفوظ الفكري فإن المسألة التي نلاحظها انطلاقا من علاقته بهذه المرجعية تكمن في التالي:1-لا يذهب في دراسته لأبعاد المفهوم إلى العمق. ما معنى ذلك ؟ معناه أن غاية ما يهدف إليه في مقارباته ليس التأصيل الفلسفي والمنهجي وإنما غاية خطابه موجه إلى متلقٍ هو الفرد المسلم بالدرجة الأولى. ولا يظن أن هذا مأخذ على الكاتب , فكما قلنا لا يمكن الكلام عن خيارات الكاتب وقناعاته الفكرية , وإنما ما نريد أن نقوله في هذه النقطة هو أن الكاتب مشروعه الفكري ارتبط منذ البداية بمتلق ما زال يوجهه من العمق , وهذه بلا شك إحدى الإشكاليات التي تثار في جدلية العلاقة بين المعرفة المعاصرة والمنهج وأدواته. وذكرناها هنا للتنبيه إلى أن هذه السمة وثيقة الصلة بسمات أخرى في الخطاب نفسه, وهذا ما يدعونا للقول:1- بوجود ضعف منهجي وتحليلي في تأزيم العلاقة التي يدخلها بين مفهوم الإسلام من جهة وبين بعض المفاهيم التي جاءت في سياق معرفي مختلف وفي بيئة ثقافية مغايرة كالبيئة الأوروبية من جهة أخرى. فمفهوم كالمواطنة والدولة والديمقراطية مفاهيم غربية والمواجهة بينها وبين الإسلام كنص يحتاج إلى تأصيل منهجي ونظري كبيرين , ولا يتم ذلك في نظري إلا ببعث التاريخ الإسلامي ونصوصه من كهوف التاريخ ومتاهاته الكبيرة , وبالتأكيد نحن لم نخط الخطوات الكبيرة في هذا الاتجاه, فمدونات التراث الإسلامي ما زالت تحتاج إلى مؤسسات للبحث عن الوثائق والكتب والمخطوطات والآثار والمسكوكات والصكوك والمواثيق والمعاهدات وهذه إحدى المهام التي يضطلع بها مؤرخ محترف نفتقده كعمل مؤسساتي في فكرنا الإسلامي المعاصر , وإن كان على المستوى الفردي هناك بعض المؤرخين الذي سدوا جانبا وإن كان ضئيلا في هذا الشرخ من الدراسات التاريخية .2- هذا الضعف الذي نشير إليه نتلمسه واضحا في تحليله لمفهوم الدولة وكذلك لمفهوم الديمقراطية , وإذا كنا نتفق تماما مع الكاتب في كون هذه المفاهيم هي احد الشروط التي تفضي إلى تجديد خطابنا الثقافي بطريقة أو بأخرى . لكن على الأرجح الاختلاف معه يتصل بالأسلوب الضبابي في استخدام المفهوم . فمفهوم الدولة على سبيل المثال لا يتحدد من كونه مفهوما قائما بذاته له سياقه التاريخي ودلالاته المنعكسة على تاريخ المجتمعات , لكنه يتحدد عنده من خلال جملة الكلمات المترادفة , فالسلطة تأتي تارة كبديل عن الدولة وتارة أخرى يغيب المفهوم لصالح إعطاء مفهوم الأمة الدور الأكبر في مسيرة تطور المجتمع الإسلامي. ولا يخفى على الباحث الفطن الإشكالات المنهجية والتاريخية التي يترتب عليها إنشاء علاقة تراتبية بين الأمة من جهة وبين الدولة من جهة أخرى, حيث تقتصر هذه العلاقة على توظيف مفهوم الدولة في إظهار أهمية الأمة دون أن يكون هناك فصل بين المسارين حتى لو كان الحديث يرتبط بتاريخ تشكل الأمة الإسلامية.3- تقودنا الملاحظة السابقة إلى مسألة في غاية الأهمية وهي الوعي بالتاريخ ومدى توظيفه في المشاريع الفكرية التي تنشد النهوض بالأمة الإسلامية من سباتها . هذا التوظيف نجده عند الكاتب ينحو منحى الاقتباس في دعم مفهوم هنا ومفهوم هناك . فالاقتباس أو الاستشهاد بالنصوص التراثية ليست إشكالية في حد ذاتها فهي تحمل قيما عليا تشكل في مجملها هوية المجتمع الإسلامي . لكن الإشكالية تبدأ حين يتم إغفال النتائج التي يؤول إليها التحليل في حال تم الاقتباس. يقول في كتابه (الامة والدولة- من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل ص45) الدولة من المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية وذلك لأنها – وهنا يستشهد بكلام للسيد محمد باقر الصدر- المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة والإنسانية وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع» هنا نحن نرى أن مفهوم الدولة لا يتصل بالواقع التاريخي قدر اتصاله بالنصوص , وما تقوله النصوص هنا لا بالواقع بل بالمثال . أي أن ما يحاول محفوظ الهروب منه يقع فيه من جهة أخرى , وهذه إحدى المآزق التي تولدها مفاهيم تعتمد بالدرجة الأولى على مفهوم الاقتباس دون حل إشكالية النص في علاقته بتحولات الواقع التاريخي.انطلاقا مما سبق يبدو لي أننا وصلنا إلى خلاصة مفادها أن الكاتب لا يختلف مع غيره في مفهوم التجديد من جهة المكونات الرئيسة التي تفضي إلى تجديد الخطاب الثقافي الإسلامي , فالتسامح ونبذ التعصب والاعتراف بالآخر والتربية الوطنية والتأصيل الإبداعي في تحليل التاريخ وتبني المواطنة كمشروع مصالحة , جميع هذه القيم يشترك في تبنيها المثقفون جميعا سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين أو قوميين , فعلى اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم بات المثقف في العالم العربي والإسلامي يؤصل في خطابه هذه المفاهيم والقيم وغيرها . لكن ما يشكل التمايز بين مثقف وآخر هو زاوية الرؤيا والنظر للموضوع والمنهج الذي يعتمده في التحليل, ولا نظن أن الكاتب محمد محفوظ يخرج عن هذا الإطار.Mohmed_z@hotmail.com