محمد العلي
ما السبب المستتر وراء البناء البعيد عن التصدع للطائفية وغيرها من الالتفافات الاجتماعية في كل مجتمع يوصف بالتخلف ؟قد يقال: إنه غياب الفكر النقدي الذي يسببه الركود في المستوى المعرفي للأمة أو المجتمع ، وقد يقال إنه استلاب القدرة على ولادة التطلع الفردي والجماعي من عهود الطغيان التاريخي الناشب في الأمة.. وقد يقال إن سببه خارجي غزا الامة وهي من دون ارادة حرة مقاومة.. وقد يقال غير ذلك.ولكن هناك سببا مسكوتا عنه هو: أن كل أزمة يمر بها مجتمع ما تدفعه واعيا او غير واعٍ الى الالتفاف حول رمز ما.. وهذا ما أوضحه احد المفكرين الغربيين (حسب داريوش شايغان) شارحا سبب التكتلات بعد الحرب العالمية الاولى حيث (وجد الانسان في الشعب او العرق او الطبقة الثورية « .. « ذلك الرضا الذي يوفره الإلزام والواجب والاندماج والخضوغ والتضحية بالنفس «...» وظهرت ارادة الاعتقاد في موجود موضوعي يكون قادرا على إضفاء معنى على الوجود وعلى التجسد في كليات جماعية).ونجد حتى على الصعيد الفردي هذا النوع من الالتجاء والالتفاف ، فالآية الثانية عشرة من سورة يونس تتضمن هذا المعنى (وإذا مسّ الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدْعُنا إلى ضُرٍّ مسّه) وهذه الآية تفتح أمامنا بابا واسعا للتساؤل إذا كانت الأزمة أو الضر هو سبب التكتل أو التجمعات فلماذا نستمر بعد زوال أسبابها في المجتمع، كما نرى زوالها بالنسبة للفرد؟لقد تآكلت تلك الالتفافات بعد الحرب العالمية الثانية ـ حسب شايغان – فلماذا استمرت القبلية والطائفية والجغرافية وأمثالها في كل مجتمع متخلف؟الجواب سهل:إن المجتمع المتخلف ليس في استطاعته دراسة أزماته والعثور على أسبابها وإيجاد الحلول لها، لذلك فالهروب منها الى ملاجئ اجتماعية حتى لو كانت وهمية هو السبيل لمواجهة وقعها الصاعق عليه.ليس هذا فحسب بل إن خروجه من ازمة دون حل الى اخرى والى ثالثة تحيله الى مجتمع يفترسه الخوف والتردد والعشوائية، بل فقدان الإرادة، ولذا فهو يجد في مثل هذه الالتفافات المنقذ الوحيد.ان معظم تاريخنا هو تاريخ أزمات تتراكم كالظلمات بعضها فوق بعض دون حل ، ولنأخذ مثالا واحدا هو مواجهة امتنا صدمة الحداثة، ولنعبر بعبارة أخف وقعا هي كيف واجهت أمتنا صدمة الحضارة الطوفانية القادمة من الغرب؟واجهتها بالسؤال : (لماذا تقدّم العالم ونحن تخلفنا ؟).هذا السؤال طُرح منذ القرن التاسع عشر.. فهل اجبنا عنه حتى الآن؟لا لم نُجب .. فهل تعرف السبب؟السبب أن ذلك البناء لم يتصدع.Mali@alyaum.com