حسن السبع
المقصود بالمهابة، هنا، هو التوقير.. ويبدو السعي إلى تحقيق تلك المهابة مضحكا حين يسلك طريقا ملتوية أو منطقا متحذلقا .. وفي حياتنا الاجتماعية والثقافية صور شبيهة بهذه الصور التي سأعرضها في السطور التالية: يذكر ابن الجوزي في الفصل الخاص بالمغفلين من المتحذلقين فيمن قصد الفصاحة والإعراب الطرفة التالية: عن أبي عبد الله أحمد بن فتن قال: دعاني إنسان من جيراننا فوجّه إلى البقال «وجّه إلي جزرا ب (دانقان) فقلت: «سبحان الله.. ما هذا؟». قال الجار: «أردت أن يهابني».. وقد ينال جار ابن فتن شيئا من المهابة لدى الجزار الذي لا يعرف قواعد اللغة، لكنه يبقى مادة للتندر عند الخاصة إذا أخطأ، وعند العامة، أحيانا، أخطأ أم أصاب.. فقد حلف الكسائي، مرة، أن لا يكلم عاميا إلا بما يوافقه ويشبه كلامه. ويذكر آرنستو ساباتو شكلا آخر من أشكال الحذلقة قائلا: شاهدت على شاشة التليفزيون رجلا يرأس جمعية صغار الباعة «يتحدث عن الفلسفة التي تحكم جمعيتنا» «ويتحدثون كذلك عن فلسفة مدرب ما لفريق كرة قدم». واعتراض الكاتب الأرجنتيني في محله، فماذا يضير رئيس جمعية صغار الباعة لو تحدث عن (القواعد) التي تحكم جمعيته، أو تحدث مدرب فريق الكرة عن (الخطط) التي تبناها ليحقق فريقه الفوز.. ما دخل الفلسفة هذا الحقل المعرفي الذي يعنى بالبحث عن معنى الوجود ومحاولة فهم حقائق الكون بجمعية صغار الباعة أو بفريق كرة قدم ؟ ومنهم من يطلب المهابة بالإيغال في الغموض، وهو شكل من أشكال الحذلقة. فإذا كان بالإمكان التعبير عن أفكارنا بأسلوب بسيط وبليغ في الوقت نفسه، فلماذا يلجأ بعضهم إلى إحاطة نصوصهم بغلاف سميك من الكلمات.. لقد كان الشاعر سيوران محقا عندما اعتبر ذلك «محاولة لخداع الآخرين، بإيهامهم أننا أكثر عمقا منهم»!ويذكرنا موضوع الحذلقة، كذلك، بالأديب الفرنسي الساخر موليير الذي سخر قلمه لهجاء كثير من المظاهر الاجتماعية الشاذة في المجتمع الباريسي الارستقراطي. وكانت الحذلقة في مقدمة تلك المظاهر التي تناولها بسخريته. فالعامة في ذلك المجتمع على طبيعتهم، يستخدمون اللغة لأغراض يومية ملحَّة لا سبيل للحذلقة عند التعبير عنها .. أما الحذلقة والتظاهر بالثقافة واستخدام الألفاظ الكبيرة في مسائل يومية غاية في البساطة فهي من نصيب تلك الأسر الأرستقراطية.. وقد ألهمته تلك الأجواء المخملية فكرة مسرحيته الشهيرة (المتحذلقات).. بطلتا المسرحية هما الفتاتان (ماديلون) و(كاتوس) وهما ابنتا عم .. تخاطب ماديلون خادمتها قائلة: «أين مستشار الجمال»؟ فتقول لها الخادمة: «لا أفهم ماذا تقصدين يا سيدتي» فتقول المتحذلقة: «مستشار الجمال يا جاهلة هي المرآة»!لكن، ألم تبرز أسماء كثيرة في عالم الثقافة والأدب، مثلا، لأنها ثبَّتت (مهابتها) في زمن كانت الأمية فيه طاغية ؟ ثم ألا يكتسب كثيرون مهابة لا يستحقونها بين أوساط قليلة المعرفة (مثل الجزار الوارد ذكره في حكاية ابن الجوزي والذي لا يميز بين صحيح القول وعليله). هذا على المستوى الثقافي أما على المستوى الاجتماعي فهنالك من يستمد مهابته، أو ثروته الطائلة، من غياب الوعي الاجتماعي الذي يتيح له التدليس على السذج والبسطاء. وإذا كانت الحذلقة، كما يعرفها ابن منظور، هي ادعاء المرء أكثر مما عنده، فالحكاية التالية تعكس ذلك الادعاء بجلاء: يحكى أن الفيل عبر جسرا وعلى ذيله برغوث، وبعد اجتياز الجسر خاطب البرغوث الفيل قائلا: «هل لاحظت كيف هززنا أنا وأنت الجسر؟» تأمل كيف يقارن ذلك البرغوث الفهلوي نفسه بالفيل وهي مقارنة مضحكة. يحدث هذا أيضا في عالم الأدب والفكر، طلبا للمهابة، فتعقد مقارنات ظالمة لا تتكئ على منطق، أو تفتعل معارك غير متكافئة يستفيد منها المفضول على حساب الأفضل. فالأول يسعى بالحيلة إلى تحقيق شهرة من خلال التعالي أو التطاول على من هو أعلى منه مكانة أدبية، أو أطول منه قامة فكرية.. ويتمنى المفضول أن تنفع حيلته تلك في استدراج الآخر إلى تلك المبارزة غير المتكافئة. لكن الآخر يدرك الحكمة الصينية القائلة: «لا تستخدم مدفعا لقتل بعوضة».. أو الحكمة الأخرى القائلة: «لا تجادل الأحمق فإن البسطاء قد لا يستطيعون التمييز بينكما»!hsn_saba@hotmail.com