أدار الندوة - طارق المزهود شاركت في الندوة - رغد السهيمي

مؤرخون: أخرجها من النزاعات والصراعات إلى الوحدة والانتماء

أكد أساتذة التاريخ في عدد من الجامعات خلال ندوة «اليوم» على أن الوقت الحاضر إنما هو امتداد لما كان منذ عام 1139هـ، وهو التاريخ الذي شهد تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية، وأشاروا إلى أن الإمام استطاع إخراج شبه الجزيرة العربية من النزاعات والصراعات إلى الوحدة والانتماء، كما حارب البدَع والخرافات المنتشرة في تلك الفترة، واستطاع إعادة العقيدة الصحيحة للناس.

طيب السيرة وشهم «وقور» كثير العبادة

ذكرت أستاذ التاريخ السعودي بجامعة الملك سعود د. فاطمة الفردان القحطاني، أن الإمام محمد بن سعود هو محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي، ومانع المريدي هو مؤسس الدرعية لعام 850هـ/ 1446م، وهو الجد الأكبر للأسرة السعودية والجد الـ13 لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله-. ويعود نَسب آل سعود إلى بني حنيفة، وهي القبيلة التي استطاعت تأسيس دولة في وقت مبكر، ما قبل الإسلام، في وادي العرض المعروف حاليًا باسم وادي حنيفة نسبة إلى حنيفة بن لجين بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل.

ولد الإمام محمد عام 1090 والذي يوافق 1679 ونشأ وترعرع في الدرعية وتربى في كنف والده الذي كان يرأس حكم الدرعية في تلك الفترة. وكعادة أبناء الأسر المالكة التي تهتم بتعليم أبنائها نشأ الإمام محمد نشأة علمية زاهرة فتعلم القرآن الكريم وعلوم الدين واللغة، وكان والده يخصص لهم وقتًا للدرس والاستذكار، وكعادة أبناء الأسر العربية في تلك الفترة، تعلم الإمام محمد، منذ طفولته، ركوب الخيل والرماية والمبارزة بالسيف، وكان لهذه المعارف والمهارات التي تعلمها في صغره دور بارز في صقل شخصيته القيادية التي أهّلته لتأسيس الدولة.

وأضافت د. القحطاني: إن الإمام له أربعة أبناء وأحسن تربيتهم وتعليمهم، وهم عبدالعزيز وعبدالله وفيصل وسعود، وكان عبدالعزيز ولي عهده. وتزوج الإمام محمد من سيدة فاضلة، وهي موضي بنت أبي وهطان، وهي من بني كثير، وقد عُرفت بالخير والحِكمة وحب المساعدة.. وكثرة الآثار في الدرعية دليل على ذلك، ومن أبرزها المسجد المعروف باسمها، والذي كانت تُجرى فيه حلقات الدرس والذِّكْر، وكذلك سبالة موضي الشهيرة الملحقة بالمسجد، وهي عبارة عن خان مخصص لسكن التجار الوافدين على الدرعية، ويتم تقديم الطعام لهم والعناية بحيواناتهم المرافقة للقوافل.. وكل هذه الخدمات كانت صدقة منها لخدمة ابن السبيل.

وتولى الإمام محمد الحكم، وهو في الخمسين من عمره، وقضى ما سبق من السنين في مساعدة والده أثناء توليه الحكم والمساعدة في إمارة الدرعية أثناء حكم مَن تولى من بعده، وقد استفاد خلال هذه الفترة من تقوية مركزه في الدرعية التي تولى إمارتها عام 1139هـ/ 1727م، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته.

وأوضحت د. القحطاني أن الإمام امتاز منذ صغر سنه بحُسن سيرته وسلوكه، وطيب أخلاقه، وعُرف عنه الوفاء، وحسن معاملة الناس، ووصفه المؤرخون بالكثير من الصفات أبرزها أنه كان شهمًا وقورًا، كثير العبادة وعُرف عنه حبه لحضور مجالس الدرس والعبادة، وكان يشرف على شؤون طلبة العلم ويضع لهم المخصصات ويتكفل بمعيشتهم تشجيعًا لهم على العلم. كما كان حريصًا على حضور أبنائه وأحفاده لهذه المجالس. وتميّز الإمام محمد بأنه كان شهمًا جوادًا حتى قيل إنه من شدة كرمه، كان يأتيه الرجل من البلدان الأخرى فيطلبه الكثير لقضاء دينه ويحقق له الأمر، خاصة إذا علم أنه صادق. وفي هذا الصدد يُذكر أن رجلًا من بريدة اسمه ناصر بن إبراهيم كان تاجرا كبيرا، ولكنه أفلس وأصبح عليه دين بلغ 4000 «ذهب» فقدم إلى الإمام محمد الذي أعطاه كامل المبلغ الذي كان يساوي الكثير آنذاك دليلًا على حرصه على المساعدة. وعُرف عنه أنه إذا علم من يريد الزواج ولا يستطيع الزواج بسبب ضيق حاله فإنه يتكفل بكافة تكاليف زواجه ويتوسط لدى أهل العروس إذا كان الرفض بسبب الفقر، فيدفع المهر ويبذل الكثير لتيسير أمور الزواج، وكان يبدي كرمًا كبيرًا في هذا المجال. وعُرف عنه -رحمه الله- أنه كان حكيمًا متعقلًا يزن الأمور قبل الإقدام عليها، ويتدارسها مع مَن حوله من كبار رجال الدرعية من العلماء والقادة، ومتى ما اقتنع بأمر فإنه يتميّز بالقوة والعزم والحزم في تنفيذه، ومناصرته للشيخ محمد بن عبدالوهاب دليل على ذلك.

وبيّنت د. القحطاني أن الإمام تجلّت سيرته الحسنة في العدل، ورفع المظالم، وعُرف عنه أنه يقيم العدل حتى لو على أهل بيته وعشيرته، وهذا الذي زاد من مكانته وعظَّم من شأنه لدى اتباعه. وعُرف بتوليه الإشراف بنفسه على شؤون الأمن الذي لم يُعهَد مثله في وسط نجد في تلك الفترة حتى قيل إن سكان المنطقة المجاورة للدرعية أصبحوا يتركون إبلهم ترحل أينما شاءت دون خشية أن يتعرض لها أحد. وقد ورث أبناؤه وأحفاده هذا التوجه من بعده، فأصبح العدل والأمن من أبرز ملامح الدولة السعودية إلى وقتنا الحاضر.

استهل أستاذ التاريخ الحديث المشارك بكلية الآداب جامعة الملك فيصل د. علي بن حسين البسَّام حديثه بعبارة قالها المؤرخ والعلّامة الأديب عبدالله بن خميس: «الدرعية هذه المدينة التي برزت لتحكم قلب جزيرة العرب حوالي أربعة قرون يتخللها مد وجزر وانبساط وانكماش وتطور وعمران وتجارة وتعليم ومجتمع فاضل وجهاد، وتغيير مجرى تاريخ وأساليب حكم». فكان لدى ابن خميس تصوّر حول نشأة الدرعية من العدم، فجميعنا يعرف أن موقع الدرعية على ضفاف وادي بني حنيفة الذي سمي نسبة لقبيلة بني حنيفة المقيمة على جانبي الوادي والمستوطنة منذ القرن الخامس الميلادي لهذا المكان.

وقال د. البسام: إن قصة الدرعية بدأت عندما ارتحل جد آل سعود مانع المريدي من شرق الجزيرة العربية إلى موقع الدرعية الحالية عندما جاء إلى ابن عمه ابن درع، وقدم عليه وأقطعه موقع المليبيد وغصيبة واستطاع مانع المريدي أن يكون هو وأسرته وعشيرته فيها بلدة صغيرة كبرت مع الوقت وسميت الدرعية نسبة إلى الدروع، الأسرة التي ينتمي إليها آل سعود، وهناك من يقول إن الدرعية سميت نسبة للبلدة التي جاؤوا منها من شرق الجزيرة العربية، وهذا الأمر لا يستبعد، فإن العرب اعتادوا عندما تهاجر قبائلهم من مواقعهم القديمة إلى الموقع الجديد أن يطلقوا عليه اسم الموقع الذي قدموا منه تخليدا وذكرى.

وذكر د. البسام أن مؤسس الدرعية مانع المريدي الذي كبرت أسرته وعشيرته وبدأوا في التوسع على حساب القرى المحيطة بهم، ويعود الفضل للإمام محمد بن سعود في توحيد الدرعية، مضيفًا أن «نجد» لم تشهد وحدة سياسية منذ أكثر من 1000 سنة، واستطاع الإمام محمد بن سعود توحيدها، بعد أن كانت مقسمة إلى قسمين جمعها تحت قيادته وحكمه، ومن هذا المنطلق أصبح الإمام محمد بن سعود ينافس الإمارات النجدية الأخرى.

وأضاف د. البسام: إن للدرعية موقعا إستراتيجيا جعلها قصة تُروى، ومن أبرز مميزاتها أنها تشرف على أهم أودية إقليم وسط الجزيرة العربية، وادي حنيفة الذي تقع على ضفافه مجموعة كبيرة من الإمارات النجدية المتنافسة فيما بينها. كما أنها تمتاز بوقوعها في منتصف الطريق التجاري الذي تمر عبره القوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها، فتتزود القوافل وتستريح في الدرعية، ثم تكمل مسيرها، وأيضًا طريق الحج من شرق الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند كان يمر بها؛ مما جعل منها محطة تجارية مهمة للمسافرين والحجاج.

مشاكل متعددة قبل تولي الإمام

قالت أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن أ. د. مها علي آل خشيل: إن تأسيس الدولة السعودية الأولى يرتبط باليوم الذي تولى فيه الإمام محمد بن سعود مقاليد الحكم في إمارة الدرعية، وهو نقطة فاصلة في التاريخ؛ لأن الدرعية قبل تولي الإمام كانت إمارة مثل الإمارات الموجودة في المنطقة، لكن تولي الإمام محمد بن سعود ميّز الإمارة وجعلها متفوقة على غيرها بما وفره لها من وحدة واستقرار أتاحت الفرصة للازدهار.

بويع الإمام محمد بن سعود بالحكم عام 1139م، والتف حوله أهالي الدرعية لصفاته القيادية والشخصية التي يتميز بها وثقتهم في أنه الشخص الذي سيوفر لهم الاستقرار، ويخلص المنطقة من نزاعات وصراعات دامت لأكثر من ألف سنة؛ لذلك تولي الإمام كانت فترة مهمة وعصيبة، حيث أولى مهامه كانت إنهاء حالة الانقسام السياسي، وتوحيد شطري الدرعية جعل الدرعية تعيش مرحلة من الازدهار، وأصبحت تُدار من سلطة سياسية واحدة وظهرت حِكمة الإمام وحنكته وحسن التعامل مع جيرانه، وبعد أن ترسخت هذه النواة، وهي الدرعية، بدأ الإمام محمد بن سعود بالمرحلة المتدرجة من بناء الدولة ممثلة في الدرعية، ثم اتجه إلى البلدان المجاورة يدعوها للانضمام إليه، والدخول تحت راية التوحيد؛ كما أن المنطقة كانت تعاني من مشاكل تعليمية وثقافية واقتصادية، وقد تمكّن الإمام من التغلب على التحديات التي واجهته بإيمانه بالله وقدرته على احتواء مَن حوله، وإقناعه بضرورة وحدة الصف وإعداد القوة التي تضمن القضاء على الفوضى وبقاء الدولة.

وأضافت د. آل خشيل: إن مراحل تكون الدولة السعودية بدأت من خلال الدرعية، ثم اتسع نفوذها حتى شمل منطقة نجد، واستغرق ذلك وقتا لإيصال أفكاره ومبادئه للجميع، وهي تتلخص في: تصحيح العقيدة الإسلامية التي شابها عدد من البدع والخرافات وتحقيق الوحدة الوطنية تحت راية واحدة، والرد على الخصوم الذين حاولوا التشكيك في الدولة، ورفض الدخول تحت رايتها بمعنى أن تلك المرحلة شهدت جهودا فكرية وسياسية وعسكرية؛ لأنه كان هناك تكتل على هذه الدولة، كما أنه في عهد الإمام محمد سعود صمدت في وجه الدول المناوئة التي رفضت الانضمام تحت راية واحدة.