مطلق العنزي
نرى أناسا يعبرون شوارع المدن، وتزدحم بهم مقاه عامرة بعبق الأنفاس، ويملأون شاشات التلفزيون، والصحف الملونة. لكنهم يختفون، كما غيوم الدهناء الخريفية، ويتحولون إلى خليط من الشبح والنسيان، دون أن يتركوا أثراً في الذاكرة.لأنهم قد «ذابوا»، مطبقين الشفاه، في غوائر الصمت، وخلف حجب الزمن الكثيف الستر.بينما اللسان، هذه الآلة السحرية، هي التي تحدث العلاقة الدافئة بين الناس.. اخترع الناس التحيات ليتبادلوا الأصوات.. كي يتعارفوا.. كي يتقاربوا.. لا يمكنك أن تعرف إنساناً عن بعد. إذ الصورة تعطي تعريفياً أولياً ضبابياً وغير موثوق.. ولكن الصوت، أسمى بناء العلاقات، يقربك من الإنسان. وحينما يتحدث المرء، بتلقائية، يمنحك فرصة ثمينة لأن تتعرف عليه، وتتمعن بتشكلات شخصيته، ومواقفه من هذه الحياة المليئة بكل التنوعات السلوكية والأفكار المتزاحمة المتضاربة المضطربة المضطرمة.منظرو العلاقات العامة أفسدوا الصوت، لأنهم يشكلونه ويلونونه وفقاً لخوارزميات السلوك الصناعي المركب.. ولكنهم لا يستطيعون إضافة دفء التلقائية، وسحرها العجيب في التعبير عن دقائق مكامن الشخصية وأنوارها البهية.الحديث التلقائي، دون تكلف، ودون تدخلات منظري العلاقات العامة، يجعل المرء قريباً من كل قلب. سمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود نائب أمير المنطقة الشرقية، حين زيارته إلى مقر «اليوم» وافتتاحه قاعة الشيخ حمد المبارك، رحمه الله، تحدث إلينا بتلقائية أحدثت كل الدفء، وجعلتنا نعرف الرجل كما لو كنا نجالسه سنين.ولم يكن هذا الأثر ليحدث لو أن حديثه إنتاج لمنظري العلاقات العامة ومهارات الخوارزميا، ولكنه سليل أسرة «تخصصت» في صناعة تاريخ فذ، وأحياناً أسطوري، في هذه المملكة الرائدة.هذه الأسرة بقدر اجتهدت في صناعة التاريخ، فهي «أكاديمية» تعد الرجال طبيعياً ليكونوا قادة متميزين. وأهم مزايا هذه الأكاديمية أن يتحلى طلبتها، منذ اليفع، بالصدق، وسعة الصدر، وحكمة التصرف، وهدوء الانفعال، إلى أن تتحول هذه المتطلبات إلى «سجايا» تستلهما الروح وتتشكل بها الشخصية، فتفيضها تلقائية الحديث.وهذه، دون ريب، صناعة محلية، تعجز عن إنتاجها جامعة هارفارد الشهيرة بتخريج الشخصيات المؤثرة في العالم. لأن هارفارد تقدم نظريات يحفظها الطلاب، صماً، لمهام وظيفية، ولكنها تقصر عن أن تمتزج بالروح وتحجم النظريات عن أن تكون سجايا.يا أيها الجلوي الرائع، الدافئ النبرة الجلي الروح، بالمفعم بالحضور المهيب..لك المودة إلى أن ترضى ولك الدعاء السخي بأن تكون موفقاً للخير حيثما حللت، ومباركاً حيثما سارت بك الأقدام.وترحينما تتعانق الدهناء وأفق الغيم والغياض الفواحة برائحة الديم..ورياح الشمال تعزف أناشيدها الخالدة في ضفاف الغدران الخصيبة الماء.. يغني ذو الرمة لخصل «مي» المعطرة بخضاب الشيح وصباح حوضى، ويحدو الأعشى لجميلات منفوحة، ويستبد المجنون هياماً بليلى، إذ «التوباد» فيض الوجد والروح..!malanzi@alyaum.com