أدار الندوة: طارق آل مزهود

مسؤولون: نعامل النزلاء كضحايا.. وبعضهم حقق نجاحات كبرى بعد خروجه

شدد مسؤولون، على أهمية تغيير الصورة النمطية السلبية عن الأحداث في دور الملاحظة الاجتماعية، وتعامل البعض معهم بنظرة دونية، وأشاروا إلى أن كثيرا من هؤلاء النزلاء، سجلوا عقب خروجهم من الدور قصص نجاح عديدة، فمنهم مَن استكمل دراسته، وبعضهم حقق منجزات عملية ضخمة.

وأوضحوا خلال «ندوة اليوم»، التي عقدتها في دار الملاحظة الاجتماعية بالدمام، أن الدار ليست سجنا، أو فترة عقوبة كما يتصور الكثيرون، وإنما تُعالج الأسباب التي أدت إلى وقوع الأحداث في عالم الجريمة، من خلال أساليب علمية متطورة، تضمن إصلاح سلوكهم ودمجهم في المجتمع، وأغلبهم ضحايا أخطاء مجتمعية، يحتاجون فقط إلى الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي، مشيرين إلى أن التعامل معهم يتم وفق رؤية علاجية تختلف من حدث لآخر، إذ إن منهم أيتاما وآخرين، ضحايا للتشتت الأسري، وطريقة العلاج تعتمد على الحالة الاجتماعية للطفل.

وبيّنوا أن الدار حققت تطورات كبيرة، ساهمت في جعل الأسرة أكثر قربا من ابنها، ومنحت الأحداث الذين انقطعوا عن المدارس، فرصة العودة للدراسة، وزرع القيم الفاضلة بداخلهم، ليعودوا عناصر فاعلة في المجتمع.

رعاية نفسية واجتماعية ومعالجة أسباب الوقوع في الجريمة

قال مدير دار الملاحظة الاجتماعية بالدمام سعيد الشهراني: إن الأحداث إحدى الفئات التي تقدم لها الدولة، خدمات من أجل إصلاح سلوكهم والعودة إلى وطنهم ومجتمعهم وأسرهم لبنةً طيبة، مبينا أن الدار تعتني بالأحداث الموقوفين والمحكوم عليهم، ممن أتموا سن السابعة ولم يتجاوزوا الـ18 عاما.

وأضاف: إن الدار تسعى لإصلاح سلوك لهم، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى وقوعهم في عالم الجريمة، حسب ما تراه النيابة العامة في لوائح الاستيقاف، وبعدها يتم العرض على المحكمة المتخصصة، وإصدار الأحكام الشرعية بحقهم، إما بالإيقاف أو الإفراج أو الاكتفاء بمدة الإقامة، وكذلك بعد صدور الأحكام هناك عفو ملكي كريم يصدر بحق الأحداث.

وأوضح الشهراني، أن الدار تقدم الرعاية الكاملة، الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية، مشيرا إلى منح الدار، الأحداث الذين انقطعوا عن المدارس، فرصة العودة للدراسة، بالتعاون مع مجمع المدارس الملحقة بالدار، واستدراك ما فاته، خلال فترة انقطاعه من المراحل التعليمية، كذلك تتعاون الدار مع وحدة الاستدلالات وجمع المعلومات، بالتواصل مع الجهات ذات العلاقة لإنهاء القضية، إما بمخاطبة النيابة العامة للاستعلام عن وقت الإفراج، أو تمديد الإيقاف، وكذلك رفع كامل القضية للقاضي لإصدار الحكم الشرعي فيها، وهناك بحث للحالة الاجتماعية يعرض على ناظر القضية قبل إصدار الحكم الشرعي على الحدث، من خلال إيضاح حالة الحدث الأسرية والاجتماعية والصحية له والحالة المادية للأسرة ومدى التزام الأسرة بالنفقات على الابن والقدرة على رعايته.

وأضاف الشهراني إن الدار ترعى الحدث من النواحي الصحية، لأنه قد يكون مصابا قبل دخوله الدار، وتتولى الدار علاجه ورعايته الصحية مع المستشفيات والعيادات المتخصصة حسب حالة الحدث، مشيراً إلى أن الحدث لا يفقد أثناء وجوده في الدار إلا العيش مع والديه، أما بقية الأمور فمتوافرة له.

وأكد أن نظام الأحداث الجديد ساهم في التحسن، إذ إنه سابقا، كان النظام يستهدف الحدث بذاته، والآن تطور الأمر، بحيث شمل جوانب عدة؛ من ضمنها، على سبيل المثال، المساهمة في معالجة الخلافات الأسرية، التي تتسبب في إسقاط الحدث بالأخطاء المؤدية لتوقيفه، وذلك عن طريق قسم الرعاية اللاحقة بالدار، ومكتب التواصل الاجتماعي، ومبادرات الباحثين والأخصائيين، من خلال تبني مسؤولي الأحداث لمسببات قضية الحدث، فمثلاً يحضر الحدث لدى الأخصائي ويخبره بأن والده منقطع عنه ويحتاج لمساعدته، وفوراً يتم التواصل مع الأسرة لتقريب وجهات النظر بين الأب والحدث، وهذه الخطوة، إحدى المنجزات المهمة للدار.

وأشار إلى مبادرات العاملين والاحترافية المهنية في تقديم الخدمة للحدث وأسرته، وهناك طاقم نسائي دخل العمل، وأضاف قدرة أكبر للتواصل مع الجانب النسائي للأسرة.

وأضاف: دور الأسرة أصبح أكثر قرباً من الحدث، إذ ساهم في تطور المنظومة الاجتماعية بين الطفل وأسرته، التي أصبحت تتابع ابنها أولا بأول، إضافة إلى ربط الحدث بالمجتمع، للمساهمة في إعادة الثقة له، إذ إن الحياة لم تتوقف بدخوله للدار، ولكنها نقطة تحول، لضبط سلوك الطفل وتعريفه بخطئه، بالإضافة إلى وجود شراكات اجتماعية تعود بالفائدة على الأحداث.

وأكد أن الدار ليست عقابا ولا سجنا وإنما إصلاح سلوك، وتعديل مسار، وبداية مرحلة جديدة نحو الإيجابية، وقد تكون الدار نقطة لتوقف الحدث عن ممارسة سلوك خاطئ، ونأمل من المجتمع أن ينظر لهؤلاء الأحداث نظرة طبيعية، بعد خروجهم من الدار، مشيراً إلى أن هناك دلائل لديهم على تحسن السلوك من أهمها الالتزام بالفرائض الدينية والحرص على كتاب الله.

وقال: هناك قصص نجاح عديدة لأبناء الدار فمنهم مَن دخل الدار واستكمل دراسته وبعد خروجه واصل دراسته الجامعية، وبعضهم أصبح ذا أهمية في المجتمع، مشيراً إلى أن الدار يقدم خدماته للمواطنين والمقيمين حسب اللوائح والأنظمة، ويحظى بكامل الرعاية، وهناك تصحيح للمفاهيم الدينية.

ووجه الشهراني نصيحة للآباء والأمهات بضرورة التقرب لأبنائهم ومعرفة أصدقائهم، وعند ملاحظة تغير في السلوك لدى الابن، يتم التواصل مع الجهات ذات العلاقة، والاستفادة مع المختصين بالدار سواء الاجتماعيون أو النفسيون، محذرا من أن أولى خطوات الانحراف هي الانقطاع عن المدرسة.

تعزيز التواصل الأسري بين النزلاء وذويهم

ذكر الأخصائي الاجتماعي ومساعد مدير شؤون الأحداث ياسر التريك، أنه طوال عمله في الدار منذ 13 عاما، مرت عليه العديد من الأحداث والمواقف الكثيرة، مشيرا إلى أن نظرة المجتمع اختلفت عن السابق، حينما كانت الأسرة تخشى معرفة أحد عن وجود ابنها في الدار، وتنظر للأمر وكأنه «وصمة عار»، يستوجب الخفاء، بينما الآن تحسن الأمر، إلى حد ما، وأصبح لدى بعض الأسر تفهم لمسؤولية الدار في إصلاح خطأ الحدث، وأن دخول الحدث بداية إصلاح وتأهيل.

وقال: أثناء زيارات الأسر ومراجعتها لأبنائها، تلحظ اختلافا إيجابيا في سلوك الحدث، مما يولد لديها شعورا بالاطمئنان، خاصة مع التطور المستمر في الخدمات المقدمة للأحداث.

أنشطة متعددة

وبيّن أن مراحل دخول الحدث للدار، تشمل فتح ملف إلكتروني له، تُدرج فيه جميع بياناته الأسرية والصحية والمادية، وذلك لمعرفة كيفية التعامل معه، مشيراً إلى أن حالات الأحداث تختلف في طريقة العلاج؛ فهناك أيتام وهناك ضحايا لانفصال الأبوين.

وأضاف: بعد فتح الملف يتم إلحاق الحدث بالمدرسة في نفس المبنى، وبعد انتهاء الدوام المدرسي، تقدم له وجبة الغداء، وبعد صلاة العصر، يدخل الحدث في العديد من البرامج والأنشطة الثقافية والرياضية.

وأضاف التريك، إن زيارة الأهالي لأبنائهم، تتم في مكان واسع مخصص لذلك وفق الإجراءات المتخذة، يومين أسبوعيا، إضافة إلى تواصل الدار مع بعض الأسر، التي لا تسمح حالتها المادية بالزيارة، لتتكفل الدار بقيمة الأجرة.

وقال إنه خلال فترة كورونا، تمت الزيارة عن بُعد عبر الاتصال المرئي، مع توفير أجهزة التواصل، حتى لا يفقد الحدث التواصل مع أهله.

معلومات مغلوطة

وأشار التريك إلى أن هناك عددا من المعلومات المغلوطة من المجتمع عن دار الملاحظة، ومن ذلك اعتباره سجنا، وهذا غير صحيح، لأنها دار إصلاح ورعاية ونحن أسرة واحدة ولا يوجد لديها قضبان حديدية، كذلك يوجد في الدار أشياء قد لا تتوافر لدى بعض الأحدث في منازلهم، فبالتالي يجب تفعيل دور الإعلام لتصحيح الصورة المغلوطة عن الدار.

وأكمل: بعض الذين خرجوا من الدار عملوا في شركات كبرى، ونجحوا في حياتهم العملية والأسرية، مطالبا بضرورة وجود إدارة مختصة بـ«المتسولين» من جميع الجهات لإنهاء إجراءاتهم، في أسرع وقت، وترحيلهم لضررهم الكبير، مشيرا إلى أن هناك بعض المتسولين في الدار، ونحن نتعامل معهم، بالتعاون مع عدد من الجهات المختصة.

تغيير السلوكيات الخاطئة وتصحيح نظرة المجتمع

قال الأخصائي الاجتماعي بالدار نايف العتيبي: إنه منذ دخول الحدث حتى خروجه، تتم متابعته بشكل مكثف، مع اتخاذ خطوات جادة لزرع القيم داخله وإصلاحه، والعمل على تغيير سلوكه وفق مناهج علمية، إضافة إلى تنفيذ بحوث اجتماعية بشأن الأحداث وأنماط سلوكهم وتغيرها، مؤكدا متابعة الدار لتعليمه وصحته، وكذلك علاقته مع أسرته.

مركز علاجي

وأضاف العتيبي: إن المجتمع ينظر إلى دور الأحداث كـ«وصمة عار»، وهذا غير صحيح، ويجب أن تتغير تلك النظرة، مبينا أن الدار تختلف عن السجن العام، لأنها تعد مركزا علاجيا لإصلاح الخلل النفسي والاجتماعي، الذي أدى لوقوع الحدث في الجريمة. وقال: الدار تحقق مكاسب للحدث، مثل التعليم والرعاية الفائقة، ولا بد من المجتمع المساهمة في إصلاحه، وللأسف لا يزال المجتمع ينظر بشكل سلبي للأحداث، وربما يتحمل الإعلام جزءا من تلك المسؤولية.

تأهيل مكثف

وأضاف: إن الحدث دخل الدار بناء على خطأ، وليس معنى ذلك، نهاية دوره في الحياة، مبينا أن معظم الذين يخرجون من الدار لا يعودون مرة أخرى للجريمة، نتيجة التأهيل المكثف، بينما سوء تعامل المجتمع يدعم العودة للخطأ مرة أخرى.

وبيّن أن المجتمع ينظر للدار على أنها سجن، وأن الحدث يقضي فيها فترة عقوبة، بينما هي دار تعليم وإصلاح وتربية وتقويم سلوك نحو الأفضل، معتبرا الأحداث «ضحية بيئتهم». وأعرب عن أمله في تفاعل رجال الأعمال مع الأحداث والمساهمة في توفير فرص العمل المناسبة لهم، وتغيير النظرة السلبية تجاههم، وتفعيل المسؤولية المجتمعية لدمجهم في الحياة دون توبيخ أو نظرة نقص لهم.

علاقة تكاملية لدعم برامج العمل وتحفيز النتائج

ذكر مسؤول وحدة الاستدلالات وجمع المعلومات بالدار النقيب عماد الغامدي، أن العلاقة التكاملية بينهم وبين الدار، كـ«أسرة واحدة»، ساهمت في إيجابية العمل والنتائج، مشيراً إلى أن الوحدة تنفذ مهام الضبط الجنائي، إذ إن بعض الأحداث يفدون من خلال قضايا تستوجب استكمال إجراءات الاستدلال الأولية، مثل التحقيق ومحضر المواجهة والعرض القانوني وبعض الإجراءات الضرورية، كذلك الحدث له حقوق نظامية وفق المواد المنصوص عليها من النيابة العامة والجهات المختصة، ومنها الحق في توكيل محامٍ، ودورنا بعد التحقيق، التعاون مع الدار وإرسال المعاملة كاملة، والتنسيق مع النيابة في استكمال إجراءات التحقيق مع الحدث حيال إيقافه أو الإفراج عنه، واستكمال بعض القضايا والإجراءات المتعلقة بالأحداث في محافظات ومناطق أخرى.

وأضاف الغامدي: إن أبرز التحديات التي تواجه الحدث، شعوره بأنه منبوذ من المجتمع، بالرغم من أن بيئة الدار هي بيئة تقويمية وتعليمية، مطالبا الآباء والأمهات والمجتمع بضرورة الاقتراب من الحدث وعدم تحميله ما لا طاقة له به، إذ إن الحدث هو ابن من أبناء المجتمع، وبتعاون الجميع سيكون عضوا فعالا.

وقال: هناك مرافق مع الحدث، يكون موجودا معه، وقت التحقيق، حتى يشعر بالطمأنينة، إذ يحاول المحقق تهدئة روع الحدث، مشيراً إلى أن المتسولين ظاهرة خطيرة وعلى المجتمع التعاون لإنهاء هذه الظاهرة.

حاضنة إنسانية توفر أوجه الرعاية الكاملة

قال عضو الخدمات المساندة بالدار سعيد الأحمري: إن دورهم ينحصر في الخدمات المقدمة للأحداث وتوفير أوجه الرعاية الخاصة بهم. وأكد أن العمل داخل الدار يتم بروح الأسرة الواحدة، في حاضنة إنسانية تهدف لتقويم سلوك الأحداث ومعالجة أوجه الخلل ليصبحوا أعضاء فاعلين في المجتمع، مشيرا إلى أهمية تغيير النظرة المجتمع السلبية بشأن الأحداث، وتضافر الجهود كافة للتوعية بأهمية دمجهم في المجتمع. وأضاف: الحدث يتلقى الرعاية الكاملة، في الدار، ويتم تقويم سلوكه، ومعالجة أوجه الخلل، وفقا لحالته الاجتماعية والنفسية، وعلى المجتمع تقبل هذه الفئة ودمجها دون أي انتقاص، حتى لا تعود للخطأ مرة أخرى.

--------------------

أبرز وسائل العلاج

معالجة الأسباب التي أدت إلى وقوع الجريمة

رؤية علاجية تختلف من حدث لآخر بحسب ظروف نشأته

إلحاق المنقطعين عن التعليم بالمدارس وتحفيزهم على الإنجاز

تعاون مع الجهات ذات العلاقة لإنهاء القضية

أنشطة رياضية وثقافية ودينية متنوعة

تأهيل نفسي وتربوي وقيمي ورعاية صحية متكاملة

معالجة الخلافات الأسرية التي دفعت النزيل للجريمة

استحداث طاقم نسائي للتعامل مع ذوات الحدث من السيدات

ربط النزيل بالمجتمع للمساهمة في إعادة الثقة له

توفير وسائل نقل مجانية لتعزيز تواصل الأسرة مع ابنها

محاولة تغيير النظرة المجتمعية لنزلاء الدار