محمد العلي
«.. قال حاكم من خط (طنجة ـ جاكرتا) لعائلته السيكولوجية من الاعوان في جلسة حميمة: يجب ان نعالج (مرض المعارضة) بوصفه ثلاثية مضمونة.. فاما اشتريناهم بالمال ووضعنا تحت اقدامهم السيارات الفارهة والقصور المنيفة.. واما ورطناهم بالسياسة.. فمنحناهم مقاعد وثيرة في ديكور سياسي.. فيه كل شيء الا السياسة.. اما الذين يركبون رؤوسهم ويعاندون فلهم السجن مكانا ضيقا مقرنين حتى تتعفن عظامهم فيه ساءت مستقرا ومقاما.. وبذلك ينضبط المجتمع ويعمه السكون.والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يرفض المجتمع امثال هؤلاء (اي القسم الثالث) مع تميزهم وحاجة المجتمع اليهم؟! والجواب على السؤال يحتاج الى تفكيك خاص ولنبدأ بالبيولوجيا:في 1967 نجح الجراح كريستيان برنارد من جنوب افريقيا في زرع اول قلب للتاجر (لويس واش كانسكي) عاش بعد العملية 18 يوما فقط.. وكان السبب (ظاهرة الرفض) ولكن لماذا يرفض البدن عضوا نبيلا في الوقت الذي لا يعيش بدونه، مفضلا الموت على الترحيب به؟في الواقع ان الجسم يعمل بحكمة بالغة وفق قوانين مسيطرة، فاذا سمح بزرع كلية مكونة من مليون (نفرون) وجب عليه ان يفتح مسامه لتقبل اي خلية جديدة، او جرثوم مهلك.. وهذا يعني القضاء على البدن وتدميره في ساعات.. فهو بهذا التعامل الصارم مع الوجود الخارجي عادل، فيرفض جملة وتفصيلا كل غريب يدخل وسطه (..) والمجتمع يعمل بالآلية نفسها فيقول: «إنا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون».ويتعرض علي الوردي في دراسته (للطبيعة البشرية) فيعتبر ان هذا التصرف عفوي وجوهري.. لان المجتمع ان فتح الباب لكل من هب ودب وبدأ يغير طبيعته حسب اراء الافراد المتقلبة فقد تماسكه واستمراره واعادة انتاج نفسه» ـ من كتاب ( كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد) ص202.الكتاب وضعت عليه اسماء مؤلفين ثلاثة هم هشام حافظ وجودت سعيد وخالص جلبي.. ومن يتصفح الكتاب يعتقد ان مؤلفه هو خالص جلبي لان لغته وطريقة تفكيره واضحتان في الكتاب كله.وهذه الفقرة من الكتاب تضعنا في مواجهة اشكالية كأداء.. تبدأ من التساؤل: هل قوانين المجتمع مماثلة لقوانين الجسم البشري كما يقرر خالص جلبي؟ وهل رفض الرأي حتى لو كان صائبا من طبيعة المجتمع البشري كما يقرر عالم الاجتماع الكبير علي الوردي؟اعتقد ان القوانين التي يخضع لها المجتمع تختلف كليا عن تلك التي تتحكم في البدن البشري.. فقياس المجتمع على البدن (قياس مع الفارق) كما يقول القدماء.. كذلك فان رفض المجتمع للرأي الجديد ليس (طبيعة) والا لما تغير.. اذن علينا ان نبحث عن اسباب اخرى لظاهرة الرفض هذه.هناك سببان هما: القناعة الوراثية الراسخة بصواب القديم وعجز الوعي عن ادراك ضرورة الجديد.. ان المجتمع حين يكون واعيا لا يمكن ان يؤثر عليه (من هب ودب) لانه قد وصل بوعيه وحريته الى درجة الاختيار.Mali@alyaum.com