نجيب الزامل

نجيب الزامل

.. إن الآثارَ التي يتركها بعضُ الناس، وتبقى على طريق الزمن، لم تكن بالتأكيدِ من أثر القعود.الإقدامُ، العزمُ، التصميمُ، الثقةُ بالنفس، الجديةُ، التفاؤلُ، الطموحُ، أدواتٌ تجعل المنجزينَ يحققون أهدافـَهم فتبقى آثارُهم على مسارٍ الأزمان. وأكثر من يقوم بذلك هم الشبابُ.. طاقةُ الأمـَّةِ، وأقوى محركاتِها.وإني أحبّ الشبابَ حباً جمّا.. أبدأ مع الشباب في القاهرة. لما تم تصوير برنامج «حوار العرب» في القاهرة أثناء مؤتمر الفكر العربي السابع وانتهت الندوة، انسحب الأميرُ خالد الفيصل من القاعة وتبعه الكبارُ.. أما الصغار، فأتوا إلى المنصة ليس للشكر والسلام فقط، ولكن للتساؤل، فعقدنا ندوةً لاحقةً غير رسميةٍ مع شبابٍ من مختلف البلدان العربية، وسبق أن كتبتُ عن ذلك بزاوية «اسألوني»، وفي مقالة بعنوان: «شبابٌ يتساءل: كيف نتفاءل؟». أعود إلى المنصّةِ، كان الشبابُ جميلا ومتفتحا للمعرفة، ولفتني شابان بين جمهرة الشبابِ أحدهما اسمه أسعد من جِدة، وشابٌ صغيرٌ يمتاز برقـَّةٍ وأدبٍ بتعاملِهِ، وبشاشة طلته، وحيائه الرجولي، وعرفت أنه منصور قصي البدران، وفخرت بهما كثيرا، ورفعا من طاقات سعادتي، شابان سعوديان في هذا العمر الغض يحضران مؤتمرا أقيمت به ندواتٌ معقدة، دارت بها مصطلحاتٌ وتركيباتٌ تعبيرية وفلسفية مثل تلك التي تناولها أخينا الأغرّ «شلاش الضبعان»، في مقالِهِ الساخر السبت الفائت.. تاركين ما ينصرفُ إليه الشبابُ أمثالـُهم من أسبابِ اللهوِ والمُغريات.وأثنـِّي على شبابٍ من جامعة الملك فيصل الأحساء، جاءتني منهم رسائل عديدة، وكلهم يقولون بما معناه: «نشكرك على مقالة: «إني أؤمن بالمعجزات»، التي نُشرتْ بالجريدة السبت قبل الفائت..»، وتعجبتُ، لماذا يجمع كلهم على نفس المقال، بنفس الوقت، من نفس الجامعةِ، بل من نفس الفصل؟ وانفكّ طلسمُ العجبِ عندما أخبرني بعضهم بأن دكتورهم هو الذي نسخ المقالَ عشرات المرّات ووزعه عليهم بالفصل، أما ذاك الدكتور فهو أستاذنا الكاتبُ الراقي بهذه الجربدة الدكتور «محمد حامد الغامدي»، وانظر أثرة هذا الإنسان الرفيع، وتعاليه عن الصغائر، وافتخاره بزملائه من الكُتـّابِ، وتشجيعهِ لهم، وطريقته في ربط تلامذته بدروسٍ واقعيةٍ، وأفكارٍ دائرة.. ولأن الشبابَ سريعو التأثر والتطبـُّع بما يمدهم به من به يعجبون ويرونه منارا يُتبع، ومن تأثرهم أرسلوا جميعا يشكرون.. طبعُ الشباب: النقاءُ، وسرعة الاستجابة. وطلبتُ منهم تقبيل جبينَ استاذِهم، منهم ومني.. وأظنهم فعلوا.وثالثا: أخبرنا كاتِبٌ محبٌ للشبابِ أيضاً، وهو الزميلُ العريقُ «محمد البكر» بمقالته يوم الأحد هذا، في زاويته «سواليف» عن شابٍّ يعاني من أمراضٍ وإعاقات بدنيةٍ اسمه «محمد الهاشم» وأفرد له كاملَ الزاوية متحدثاً عنه بإعجابٍ وإكبار .. وكرّسه بطلاً من الأبطال.. والجميلُ إصرار أستاذنا محمد البكر على التشجيع على التفاؤل، وخلع النظارة السوداء لكي نرى الحياةَ فجراُ يعدُ دوماً بيوم مشرقٍ جديد.. وأكدّ على أن الإيمانَ باللهِ هو أمضى سلاح..ورابعا: «منى بالحارث»، فتاةٌ تقيم في بقيق، وتدرس في جامعة الملك فيصل بالأحساء، أصرّتْ هي وزميلاتـُها وهن، طموحات، مصِرّات، ومتطوعات، أما المهمة، فهي إعداد مبني جامعتهن لتكون في أجمل إهابٍ، ونشر النشاطاتِ الهادفة تحت مسمى «بنات الجامعة»، على طريقة «بنات الخبر» و»بنات الدمام».. وترى كيف تسري عدوى الطموح والعزم والإنتاج متى أتيح للشباب فقط أن يعملوا، وسنرى منهم عجبا.. أما أنا فقد رأيتُ، وسجـّلت.وخامسا: سرَتْ جماعات «أولاد الدمام» وكبروا، ولاقوا مساندة من جهاتٍ كبرى، ويكفيهم الآن أن تكرس لهم أوقات الاجتماعات في الدوائر الرسمية الكبيرة والمؤثرة، وأكبر شركات النفط العالمية أرامكو، تعد معهم تحت قيادة الدكتور محمد الأنضاري، وحدب وتشجيع الأستاذ جمال الدبل برامجَ عالية التقنية والشمول من أجلِ المجتمع..ويمكن أن أمضي بقدر ما تأخذني الأعدادُ.. الدرسُ الذي تعلـّمه البناتُ، والأولادُ، وآمنوا به، وطبقوه، هو أن التكريمَ والتشريفَ والإعجابَ والآثارَ الباقية على طريق الزمن لا تتحصل مِمـّا يأخذون.. إنما مِمّا يُعطـُون.najeeb@sahara.com