حسن السبع
لا أعرف من هو الشاعر الشعبي المصري الذي قال: «أنا عرضحالجي البلد قاعد ما ليش غيَّه/ إلا كتابة ورق ملوش أهمية/ عديت بحور الأدب من غير معدية/ ورسيت على الشطين ميت بلا دية/وغرقت صار الأدب رقصة ومغنية»! ولعلَّ هذا هو سبب تحول صاحبنا إلى كاتب عرائض غايته أن يكتب كلاما لا أهمية له. هذه الشكوى قديمة، وأقدم منها قول جحظة: «وهجرت إعراب الكلام/ وما حفظت من الخطب/ ورهنت ديوان النقائض/ واسترحت من التعب» وقول كاتب آخر: «تبا لرزق الكتبة تبا له ما أصعبه/ تبا لرزق يرتجى من رأس تلك القصبة». رحل صاحب القصبة قبل أن يعرف أن القلم لم يعد قصبة تقلَّم أو تُبرى، وأنه قد تطور من عود من القصب إلى تلك الماركات العالمية من الأقلام، السائل منها والجاف. ورحل قبل أن يعرف أن بعض الأقلام تباع بعشرات الآلاف من الدولارات، وذلك لكثافة حجم الألماس والذهب والأحجار الكريمة التي تزينها، وأن أغلى قلم حبر في العالم قد بيع بمليون ومائتي ألف دولار. وأن وظيفة قلم من هذا العيار، إن كانت له وظيفة فعلا، لا تعدو التوقيع على الشيكات، وأن نتاجه لا يضيف شيئا إلى عالم المعرفة، بمعنى أنه ليس ذلك القلم الذي عناه جالينوس بقوله: طبيب المنطق، وهو ليس مطية للذهن، ولا سفيرا للعقل، ولا ينبوعا للحكمة. إنه قلم تلمع منه الألماسات والأحجار ولا تشع منه الأفكار. سئل تولستوي: ماذا وجدت في القلم الذي هجرت له الجندية؟ فقال: وجدت فيه قلبا ينبض، وجرحا يلتئم، وروحا تهيم به. وجدت فيه نفسي التي قضيت طفولتي أبحث عنها». ومع أن تولستوي كان ثريا إلا أن القلم الذي تحدث عنه ليس من تلك الفصيلة المزخرفة بالألماس والأحجار الكريمة. قلت: إن شكوى الكتَّاب قديمة، لأن نتاج عقولهم يباع بثمن بخس، ومع أن قيمة الكتاب المادية متدنية إلا أن الكاتب لا يحصل حتى على تلك القيمة الزهيدة. فلا يدري ما عدد النسخ التي بيعت من كتابه، ولا عدد النسخ التي طبعت دون علمه. ولعل هذا ما أراده مكسيم غوركي بقوله: «يبني الكتَّاب القصور في أسبانيا، ليسكنها القراء، ويتقاضى أجرها الناشرون»! يقول يوسف معاطي: أدهشني ذات يوم أن زارني في بيتي صحفي شاب، وتعجب من تواضع وبساطة منزلي الصغير، وسألني متعجبا كل هذه الأعمال الفنية التي كتبتها والمقالات والكتب. وهذا هو بيتك؟ ورد عليه الأستاذ يوسف بكلام طويل منه: الكتابة يا صديقي هذا هو أقصى ما تحققه أما الفيللات والبسينات والقصور الضخمة فلا يمكن أن تأتي من الكتابة»! أي أن لها مناهل أخرى أبعد ما تكون عن الأدب وعن الفكر.وستزداد دهشة ذلك الصحفي الشاب إذا تأمل هذه المقتطفات من سيرة (هنري ميلر) تأليف برادلي سميث ترجمة سعدي يوسف: «في عام 1925 بدأت أحترف الكتابة في حالة من الفقر المدقع.. بعد فشلنا (هو وزوجته) في بيع المخطوطات، قررنا أن نبيع السكاكر المستوردة.. في أحد الأيام نفدت نقودنا فاقترحت علي زوجتي أن أذهب إلى مالكة الفندق وأستدين منها شيئا.. حلّت بي تلك الأيام المرعبة التي كنت أستيقظ فيها كل صباح كي أبحث عن «وجه ودود»، عمن يشتري لي وجبة طعام، أو يدبر لي مبيت ليلة إذ لم أعد قادرا على دفع أجرة الفندق». أما على المستوى المعنوي فمن ذا الذي يتذكر الكاتب (مؤلف النص) عندما تقف المغنية أمام الميكرفون في لحظة مليئة بالأضواء والديكورات والماكياجات وهتافات الإعجاب. إن قتل المؤلف لا يتم بشكل متقن إلا في هذه الأجواء. من سيتذكر كتاب نصوص الأغاني والأفلام والمسرحيات. من سيتذكر من عامة المشاهدين بوريس باسترناك في (دكتور زيفاكو) الذي أنتجته هوليوود. أو يتذكر الهادي آدم، عندما تغني أم كلثوم (أغدا ألقاك). ومن سيخطر على باله حين يسمع ناظم الغزالي يغني: «أي شيء في العيد أهدي إليك» أن تلك من كلمات الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي. ومن سيتذكر يوسف معاطي في فيلم (السفارة في العمارة). وفيما يتعلق بالجانب المادي فإنه يحق لهؤلاء جميعا أن يرددوا «تبا لرزق الكتبة».hsn_saba@hotmail.com