قادني حديث إلكتروني مع أحد الأصدقاء إلى كلمة مشاغب، ونحن نتحدث في أمور عامة، المفيد أن هذه الكلمة احتلت مكاناً مهماً في ذاكرتي حتى بعد نهاية الحديث بدأت أفكر في هذه الكلمة، ووجدت أن بيني وبينها علاقة قديمة تعود لسنوات طويلة عندما كنت في مراحل التعليم العام، حيث لم أكن من الطلبة المتأخرين دراسياً، ولا أخلاقياً، فكان المدرسون خصوصاً ما يسمى بمربي الفصل، وهو في العادة المدرس الذي يدرس أكثر من مادة للفصل ذاته، المهم كان المدرس يختار الطلبة الجيدين ويكلفهم بلعب دور شرطي الفصل بمعنى الشخص المسؤول عن الهدوء والانضباط في الفصل خلال الدقائق الخمس، التي تفصل بين الحصص، المصيبة أن مَن يكون جيداً نوعاً ما في الدراسة قد يكون إنسانا مسالما، أو لا يحب الصدام مع الطلبة، الذين قل أن يتمسك أغلبهم في الفسح الصغيرة بالهدوء والانضباط، مما يجعل حيلة الطالب المختار عريفاً يبدع في وصف مثيري الفوضى وأصحاب الحركة الكثيرة، والأصوات العالية بكلمات يضعها أمام أسمائهم، التي تدون في مكان بارز على السبورة، ومن تلك الكلمات كلمة (مشاغب) الطريف أن البعض قد لا تردعه كلمة مشاغب أمام اسمه وكأنه يقول بعقلية تلك الأيام، طالما أن اسمي مكتوب فما المانع ألا أقوم بكل الحركات، التي تعد في العادة مخالفة لقواعد الانضباط والهدوء، هنا يقوم العريف المسالم والجيد، الذي يحاول الابتعاد عن الصدام مع الطلاب عند الانصراف، أي في نهاية اليوم الدراسي، بكتابة مزيد من الأوصاف أمام اسم التلميذ، الذي يتعمد إثارة الفوضى، إما بمفرده، أو مع غيره من الطلاب، فيكتب العريف المتورط في هذه المهمة أمام اسم الطلاب المستمرين في إثارة الفوضى كلمات قد تطول وقد تقصر بحسب الحالة، وبحسب الوقت الذي يتأخر فيه المدرس عن مباشرة حصته لأي سبب، فيكتب مثلا كلمة، (عاصٍ)، وقد يتشدد في الوصف فيضيف على كلمة (عاصٍ) كلمة أكبر فتصبح العبارة أمام الاسم أطول من الاسم أحياناً (عاصٍ أكبر عاصٍ) أو (مشاغب أكبر مشاغب)، وقد يكون العريف، أو مَن أوكل إليه لعب دور العريف قليل الحيلة ولا يملك وسيلة لإثبات نجاح مهمته فيضع إشارة (×) أمام اسم الطالب، الذي لم يثنه وضع عبارة أنه مشاغب، وعاصٍ أمام اسمه، كنا عندما نلعب دور العريف البائس المحروم من أي سلطات نضع عددا كبيرا من إشارات الضرب تجعل السطر أحيانا ينزل أو يصعد عن مستوى الكتابة الطبيعي. هذه الصور البعيدة والحميمة بكل تأكيد كشفت الأيام أن لها معاني جديدة لنفس الكلمات، التي كانت بريئة إلى حد كبير، فالشغب كفعل مجرم في معظم المجتمعات الإنسانية المعاصرة، ويهدف في تعريفه السياسي على الإخلال بالأمن والنظام العام، لذا يتوافر لكثير من الدول والمجتمعات قوات خاصة تباشر مهاما محددة منها القضاء على حالات الشغب، التي تطرأ لأسباب سياسية في العادة، بمعنى أن الشغب فعل مجرم في المجتمعات السياسية، وكذلك العصيان الجماعي، أو المدني، كنا ننعم ببراءة لدرجة أننا نستخدم مصطلحات أكبر من ضحك، وحركة زائدة في الدقائق الخمس، التي تنقضي بسرعة بين الحصص الطويلة.
@salemalyami
@salemalyami