خليل الفزيع
في قريتي كان يعيش شيخ طاعن في السن، عُرف عنه حرصه على دينه، لكنه أحيانا يرتكب بعض التصرفات التي يتندر بها الناس المقربون إليه والمحبون لشخصه وهو شخص محبوب من الجميع، سافر لأول مرة لأداء فريضة الحج، ويقول الذين رافقوه انه عندما انتهى من رمي الجمرات، أمسك بنعليه عند جدار الجمرة الأخير ، وانهال عليه بالضرب وهو يردد: يا إبليس اللعين أنت تحتاج إلى الضرب بالنعال.. ولم يمنعه أحد.لا اعرف لماذا تذكرت هذه الحادثة بعد أن رأيت حذاء الزيدي يطير متوجها إلى الرئيس الأمريكي بوش أثناء زيارته الوداعية لبغداد، وهو منظر يذكرنا بالعراقيين الذين انهالوا على تمثال صدام ضربا بالأحذية إثر اجتياح القوات الأمريكية لبغداد ليحيلوها من مدينة السلام إلى مدينة الحرب والدمار، لله در العراقيين، ودّعوا صدام بالأحذية .. وهاهم يودّعون بوش بالأحذية أيضا.في أدبياتنا العربية للحذاء شأن لا يستهان به، فهناك حذاء الطنبوري، وحذاء البهلول، وحذاء جحا، وحذاء حنين ـ أو خفي حنين ـ وحذاء أم العيال، ولكل حذاء قصة .. كما أن لكل مثل قصة، لكن ما قصة حذاء الزيدي، هذا الزيدي مواطن رأى من واجبه الاحتفاء بوداع بوش ، ولكن على طريقته الخاصة، فقد أراد لهذه الوداعية أن تبقى في بال الضيف الثقيل الظل على كل عراقي، ومهما قدم لضيافته فإن هذا الضيف سيبلع أي وليمة، كما بلع وحكومته غير الرشيدة أموال العراق وغيرها.. ثم سينسى، لكن ما الضيافة التي لن ينساها هذا الضيف الثقيل الظل؟ هذا التساؤل لم يشغل الزيدي كثيرا، فقد هداه تفكيره إلى ابتكار جديد هو «الضرب بالجزمة» وأقول ابتكارا جديدا لأن هناك من السياسيين من يستحق «الضرب بالجزمة» لكن أحدا لم يجرؤ على تعدي الخطوط الحمراء التي تكسبهم الحصانة من هذا الجزاء العادل، وهو ابتكار من حق الزيدي أن يسجله كاختراع ليس لأي صحفي حق استخدامه حتى لا تنهال أحذية الصحفيين بدل أسئلتهم على بعض السياسيين الذين يستحقون عن جدارة هذا الاختراع الزيدي الجديد. بوش بلع أموال العراق التي تقدر بالمليارات من الدولارات، كما بلع أيضا أموال دافعي الضرائب الأمريكان الذين يدفعون ما يقارب نصف تكاليف حرب العراق، وهي أيضا تقدّر بالمليارات من الدولارات يمكن أن تحسن من أوضاع الاقتصاد الأمريكي المنهك بسبب مغامرات بوش وأعوانه في شن الحروب وإثارة القلاقل في أكثر من بلد آسيوي وأفريقي، حتى أصبح من أسوأ العهود التي مرت على الشعب الأمريكي.ما يلفت النظر أن حادثة جزمة الزيدي دخلت عالم الشعر من أوسع أبوابه، وتسابق الشعراء خاصة شعراء الفصحى في صياغة روائعهم في مديح الربيعي وحذائه، حتى امتلأت المنتديات والمواقع الالكترونية بهذه القصائد، ألم أقل لكم إن للحذاء شأنا لا يستهان به، في أدبياتنا العربية، ولا أستغرب أن أقرأ يوما كتابا عنوانه (الجزمة الزيدية تخترق الهيبة البوشية) والبوشية هنا نسبة إلى بوش، وليس إلى لباس البوشية التي عناها المغني الخليجي وهو يردد من فن «الخماري» (قومي ارقصي لي وارفعي البوشية.. وخليني أروي الظامي العطشاني).لقد عاد بوش من العراق بخفي حنين، وحنين هنا هو الزيدي ولا أحد غيره.khalfizaia@alyaum.com