محمد الحرز
هل يعلم الصحفي العراقي أن حذاءه سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه؟ ربما كان يدرك في أعماق نفسه أن الفرصة مواتية للأحذية كي تأخذ حصتها من الديمقراطية التي تنتشر في العراق انتشار النار في الهشيم. لذلك كان عليه أن يلمع حذاءه ويعتني به أكبر عناية ويدهنه جيدا قبل المؤتمر الصحفي, وينبغي عليه أيضا أن يحذر من الغبار أن يطاله لأن مهمة جسيمة تنتظره في الغد.ولأن الصحفي تمثل بيت المتنبي : على قدر أهل العزم تأتي العزائم, خير تمثيل فقد اختار من الأحذية أجودها , وإذا لم يخب ظني فأعتقد أن ماركة الحذاء هي أمريكية حتى يقال أن بضاعتكم ردت إليكم , ولكن بطريقة أكثر حداثة وديمقراطية.درس ديمقراطي بامتياز يضاف إلى الدروس التي أسسها بوش في ولايته, ولكن هذه المرة كانت من توقيع بوش نفسه. طبعا بتواطئ مقصود مع الأحذية, ولم يكن الصحفي المسكين سوى الضحية للأحذية ولبوش وللديمقراطية. الحذاء سيرفع على الأعناق لأنه أصبح رمزا لحرية بوش وديمقراطيته , وسيحتفى به , وربما في المستقبل القريب أو البعيد سيزور عواصم العالم ومتاحفها وسيشار إليه بالبنان ليقال للناس : لولا هذا الحذاء لم ترفع راية الديمقراطية في العالم . لقد ذهب بوش ولكن ترك لنا درسا لن تنساه الأجيال. وسيقال الكثير حول لون الحذاء ومقاسه وتاريخ صناعته وهكذا سيعتنى بكل التفاصيل الصغيرة التي تمس حياة هذا الحذاء سواء من قريب أو بعيد. أما الصحفي فسيدرك أن مهمته قد انتهت على أكمل وجه وكأن لسان حاله يقول: المجد للأحذية وليس للقنابل أو الأسلحة. لكنه لن يدخل التاريخ مثل حذائه, بل ستنتصر الصورة للحذاء ولن تبحث عن وجهه بالقدر الذي سوف تبحث فيه عن كل ما يتعلق بتاريخ الأحذية , وربما نشهد في المستقبل من يطالب الشعوب المستعمرة(بالفتح) بإدخال ثقافة الأحذية في عداد استراتيجيات المقاومة ضد كل هيمنة على مقدرات الشعوب. وقد نجد على المدى القريب أن سعر الحذاء سيرتفع خصوصا النوعية التي رمى بها الصحفي في وجه بوش. قد يصل إلى أسعار خيالية , والأكثر من ذلك سوف يدخل الحذاء في مخيلة الثقافة الشعبية في بلد كالعراق من أوسع أبوابه. وما أدراك بهذه المخيلة التي عندها احترافية لا تجاريها مخيلة أخرى في تحويل هذا الحدث إلى حد مفصلي بين تاريخين . فيقال أدبيات ما قبل الحذاء وأدبيات ما بعد الحذاء. لقد وجدت هذه المخيلة مادتها الدسمة والغنية في صنع أدب متفرد والشواهد التاريخية كثيرة جميعها تدل على القدرة العظيمة التي تحملها هذه المخيلة في مثل هذه الأحداث والمواقف.لكن هنا سؤال يتبادر إلى ذهني لماذا لم يصب بوش بإحدى الفرتين اللتين رمى بهما الصحفي, حتى يكتمل المشهد ويسجل فرادته عبر التاريخ؟ رغم المسافة التي ليست بالبعيدة التي رمي منهما الحذاءان إلا أنه لم يصب من أحدهما. أكانت العملية مقصودة من طرف الصحفي, أم أن الحذاءين استفاقا في آخر لحظة وقررا أن ينحرفا عن المسار خوفا من رئيس أعظم دولة في العالم؟.أعتقد في ثقافة القرن الحادي والعشرين سوف تكون مثل هذه الأسئلة محل عناية مراكز البحوث والدراسات المنتشرة في العالم . وسوف ترصد الميزانيات الضخمة لأخذ مجالات البحث والمعرفة نحو المزيد من الأسئلة المشابهة التي ترتكز على الأحداث الطريفة والغريبة والاستثنائية سواء في السياسة أو في المجالات الاجتماعية المختلفة .أظن أن من المفارقات العظمى التي نعيشها في عصرنا الحالي هي حدوث مثل هذه المواقف التي أشبه ما تكون بالفنتازيا التي لا يمكن أن نتخيلها سوى في الأحلام . ربما وقع الصورة لها أكبر الأثر في إعطائها قيمة اعلانية ودعائية وبالتالي يمكن تسويقها عبر ثقافة الصورة في مجموع القيم التي ينتظم حولها أي مجتمع. وإلا لا يمكن أن نستبعد مثل هذه الأحداث في ماضي التاريخ السياسي والثقافي للعالم. أليس مجتمعات ما بعد الحداثة جميعها تحتفي بكل ما هو غريب وطريف وهامشي ومستبعد ولا عقلاني. ألا تدخل هذه الحداثة من هذا الباب. وليس بمستبعد في المستقبل نرى المهتمين بالشأن الديمقراطي والحريات وحقوق الإنسان يتحدثون أو يقترحون بعض الإصلاحات في النظام الديمقراطي العالمي , ومن أهمها رفع الأحذية سلميا كشعار للمطالبة بالحقوق. وعلى قرار الشعار الأممي يا عمال العالم اتحدوا , سيتحول على يد هذه الإصلاحية إلى يا أحذية العالم اتحدوا. وليس بمستبعد أيضا أن تقترح لجان تأسيسية لفرز الحذاء المؤثر في الرأي العام عن الحذاء الذي لا يملك مثل هذه الميزة. وسوف يسجل التاريخ أن ثورة الأحذية انطلقت من العراق لتعم أرجاء المعمورة في عملية إصلاح ديمقراطي قل نظيرها في تاريخ العالم. هل يمكن بعد هذه الحادثة إلى فترة ليست بالقصيرة, أن نرفع رؤوسنا كعرب ونعلنها صريحة للعالم أننا قادمون للدخول في التاريخ بقوة. ونقول للأجيال القادمة من أبنائنا أننا استطعنا أن نقاوم المحتل ومن إخراجه بفردتي حذاء. ياله من إنجاز حين يتم التركيز في المستقبل على صورة هذا الحدث وتداعياته باعتباره الصورة المثالية للديمقراطية الحاصلة في العراق كما يدعي بوش.بينما الأكثر تعبيرا عن الديمقراطية المطلوبة من خلال هذه الحادثة هو التركيز على مصير الصحفي نفسه.هنا الرهان الحقيقي على الديمقراطية يا سادة.Mohmed_z@hotmail.com