محمد العلي

محمد العلي

«تعودنا القول ان الحوار طريق سلمي يبدأ بعد ان تهدأ الحروب وتسكت المدافع وانه لا ينطوي على علائق قوة وانما يخفي سوء تفاهم من شأن تبادل الحجج ان يرفعه.. فمقابل اللا معقول الذي يطبع الحروب فان الحوار يتحكم فيه منطق العقل.ويكفي ابداء حسن النية اللازم والتحلي بخصال الصدق واحترام رأي الاخر كي يرفع سوء التفاهم ويتوصل الطرفان المتكافئان الى الاتفاق والوفاق والوئام.لعل ما يتناساه هذا الموقف هو ان اداة الحوار التي هي اللغة هي مرتع تناحر القوى وميدان مفعول السلطات.. اللغة عش الاختلاف ومجال علائق القوة.. فان نطلق الاسماء، كما قول نيشته هو ان تكون سيد استراتيجية.. التسمية هي استراتيجية هيمنة وتسلط.. وتاريخ الاشياء هو تاريخ مسميات، وهو بالتالي تاريخ اسماء.. وتاريخ الاسماء هو تتابع القوى المستحوذة التي تعطي المعاني وتحدد القيم.. ذلك ان اسم الشيء ومعناه هو القوة التي تستحوذ عليه وتتملكه.. فالكلمات هي كميات من القوة في علاقة توتر ولا يمكن للحوار الذي يوظفها ويستثمرها الا ان يجسد علائق القوة ومرامي الهيمنة.لا يتحدد الحوار اذن بآليات منطقية ودوافع اخلاقية تتوقف على نزاهة المحاور وصدقه وعدم تناقضه ووفائه لما تعهد به.. انه صراع مقنع لتحديد من يحدد المعاني ويطرح الاشكالات ويعرف المفاهيم ويعين الحقائق انه حرب على مستوى الكلمة.. ولا داعي هنا للاكثار من الادلة على ما نقول، ويكفي ان نتذكر سوء التفاهم العميق الذي طبع ومازال يطبع مختلف اللقاءات التي تمت على مختلف المستويات لتحديد مفهوم الارهاب.. وتعيين الفعل او الافعال التي يمكن ان تسمى ارهابا.ليس الصراع اليوم بين معسكرات سياسية ولا بين مناطق جغرافية.. وبالاولى ليس بين آلهة الخير وشياطين الشر.. انه حتى ليس صراعا بين داخل وخارج.. وانما بين ثقافتين تتجسدان في الموطن الواحد، بل وعند الفرد الواحد.. هما ثقافة الحداثة وثقافة التقليد.. ذلك ان مواجهة الاخر غدت اليوم ايضا مواجهة مع الذات.. لان مظاهر الحداثة تتخذ اليوم طابعا عضويا وتهاجم التقليد في عقر داره».عبدالسلام بنعبدالعالي/ من مقال بعنوان (الحوار بين الثقافات والصراع بينها).ما قاله بنعبدالعالي واضح.. ان سلطة اللغة نابعة من مدى القوة التي يملكها من يفرض معانيها على سامعيه سواء كانوا محاورين ام مجرد سامعين.. ان من يضع تعريف المفاهيم و تحديد معاني المفردات هو الذي يفرضها لا من يتكلم بها انشائيا او منطقيا واخلاقيا.كذلك فالصراع قد لا يكون بين الانا والاخر البعيد، بل اكثر ما يكون بين الانا والنحن.. بل بين الذات نفسها حين تعجز عن الانحياز او الاختيار بين ثقافة تستمد فعلها من الوعي الذاتي المتجاوز لنفسه دائما.. وبين وعي (القطيع) او التقليد.وهذا ليس جديدا، بل هو فقط يحتاج الى استمرار توكيده وحفره في الرؤوس.. وهو ان لكل مجتمع ثقافتين ثقافة تعطي وجهها للماضي وتسير نحوه.. واخرى تعطي وجهها للمستقبل وتسير نحوه.