حسن السبع
لم تكن مكتبة الحاج محمد مدبولي من حيث المساحة في سعة شهرتها. فلو ارتادها أربعة أشخاص في وقت واحد لما وجد الخامس له فيها موطئَ قدم. لا توجد أيضا واجهة (فترينة) للكتب الصادرة حديثا، كما هو الشأن في كثير من المكتبات الكبيرة الأنيقة. توجد رفوف مكتظة بالكتب المتراصة إلى درجة الاختناق. ويوجد الحاج مدبولي بجلبابه ورأسه الحاسر أو المغطى تبعا لفصول العام، وتوجد ابتسامته العفوية الدافئة التي تختلف عن الابتسامات التجارية المصطنعة، أعني تلك الابتسامات التي تشبه باقات الورد البلاستيكية. لابتسامة مدبولي بوح خاص. أما إذا كنت تبحث عن كتاب بعينه فلا تتعب نفسك في البحث عنه بين أكداس الكتب. ستكون كمن يبحث عن إبرةٍ في كومة قش. وحده الحاج مدبولي، الخبير بجغرافية المكان وسراديبه وخباياه، ووحده العارف بالممنوع والمباح، قادر على تحقيق طلبك بأسرع مما تتوقع. قد لا يكون الكتاب متوفرا في تلك الساعة، وعندئذ سيقترح عليك شيخ ورَّاقي القاهرة أن تعود لمكتبته غدا، وإن غدا لناظره قريب. ومع كل تلك البساطة والعفوية، فقد تشعبت نشاطات ذلك الورَّاق العصري وامتدت إلى خارج حدود مصر. كما أصبحت تلك المكتبة العريقة المطلة على ميدان طلعت حرب مَعْلَما من معالم القاهرة. وعندما نشير إلى تلك المكتبة كَمَعْلم، ينبغي أن لا يغيب عنا أنها ليست كذلك في نظر بعض السياح الذين لا علاقة بالكتاب من قريب أو بعيد. فغاية أولئك السياح من السياحة ارتياد المتنزهات والمطاعم، وربما المسارح، والطواف نهارا حول فترينات المحال التجارية، والعودة مساء إلى الفنادق بجر الأكياس سالمين غانمين. كانت المرة الأولى التي ترددتُ فيها على مكتبة الحاج مدبولي بشكل مبالغ فيه مع الصديق العريق أحمد بوقري. كان الفول والمخلل والشاي (الكشري) ومداعة المعسَّل في مطعم (فلفلة) مفتاح النهار. وكانت اقتراحات أحمد الخاصة بجدول تحركاتنا اليومي تأتي ممزوجة بدخان المداعة المنفوث بخيلاء (المِعلّمِين) بكسر الميم. وكان أحمد، آنذاك وإلى اليوم، أعرف مني بشعاب وأودية القاهرة. كان يطرح بعض اقتراحاته، أحيانا، على شكل أسئلة، وكنت أجيب على اقتراحاته بكلمة (ماشي) الوادعة، وهي كلمة لا تحمل في طياتها إذعانا، بل تحمل الاستجابة للاقتراح كعلامة من علامات الانسجام وتقارب الرغبات، فالرفيق قبل الطريق، كما يقال. يقترح أحمد: «سنطلّ هذا اليوم على مكتبة مدبولي» فأجيب قائلا: ماشي.. «ثم سنعرج على جمال الغيطاني رئيس تحرير أخبار الأدب.. ما رأيك؟/ ماشي.. بعد ذلك هنالك فروع أخرى لمكتبة مدبولي سنمر بها بشكل سريع/ ماشي.. ماذا لو طلبنا فنجان قهوة تركية في جروبي؟/ ماشي.. مدبولي على مرمى حجر من هنا دعنا نطل مرة أخرى لعلنا نجد شيئا جديدا/ ماشي.. سنتناول العشاء، وكما اتفقنا من قبل، في الفندق.. وشاي بالنعناع ومداعة أخرى في الفيشاوي/ ماشي..». كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحا، وكانت سيارة الأجرة تشق طرقات القاهرة عائدة بنا إلى الفندق المطل على النيل. وكان أحمد يغالب النوم دون جدوى.. بعد قليل سمعته يهلوس قائلا: «مدبولي.. مدبولي..». أراد السائق أن يتوقف قلت له: «استمر.. إنه يحلم!». أذكر أنني قد تناولت هَوَسَ أحمد بشراء الكتب في مقال نشر عام 1994 تحت عنوان (أحمد مدبولي) حيث كان لمكتبة مدبولي حسب البرنامج اليومي الذي أعده صديقي نصيب كبير. ولم يكن المقصود بذلك (أحمد مدبولي) شقيق الحاج محمد مدبولي الذي عمل مع أخيه منذ مرحلة التأسيس. هآنذا أعود بالذاكرة للوراء بعد رحيل شيخ ورَّاقي مصر، الرجل الذي زاول تسويق المعرفة منذ أن كان طفلا يبيع الصحف على عربة متنقلة. لم يكن الحاج مدبولي مسوّقا انتقائيا كما أراد له خصوم التنوع المعرفي، أو أنصار الوجبة الثقافية الواحدة. لو كان كذلك لما خدم إلا توجها ثقافيا أو فكريا واحدا. وإذا كانت الغاية هي تسويق المعرفة للجميع وبلا حدود، فما أبعد الانتقائي عن تلك المهمة. الانتقائيون أصحاب أهواء، والأهواء تحجب المعرفة، كما يقول باسكال. hsn_saba@hotmail.com