د ب أ - نيويورك

قرار سحب القوات الأمريكية من أفغانستان أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2014 وأصدره رسميا خليفته دونالد ترامب عام 2019 ونفذه الرئيس الحالي جو بايدن في 2021، هذا القرار أثار موجة من الانتقادات وردود الأفعال بين المؤسسات السياسية والأمنية والإعلامية على جانبي المحيط الأطلسي.

ويرى الكاتب والمحلل الهندي بانكاج ميشرا في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء، أن المحلل السياسي ماكس بوت من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية لخص مجموعة واسعة من آراء نخبة السياسة الخارجية في الغرب بقوله: إن قرار بايدن كان «خطأ كارثيا ومأساويا»، في حين وصف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق القرار الأمريكي بأنه «معتوه» مضيفا إن القوات الغربية التي تم إرسالها إلى أفغانستان عام 2001 عندما كان رئيسا لوزراء بريطانيا، كان يجب أن تظل هناك لحماية «مكاسبها».

وفي ظل تصاعد أعمال العنف ومعدلات الفقر في أفغانستان بوتيرة مطردة خلال العقد الماضي رغم تدفق الأموال الغربية والقوات العسكرية إلى هذه البلاد طول تلك الفترة أصبح لتنظيم «داعش» معقل مهم في أفغانستان وسيطرت حركة «طالبان» على كامل الأراضي بسرعة وبدون جهد يذكر تقريبا.

ويرى بانكاج ميشرا أن الانتقادات الغربية للانسحاب الأمريكي الحتمي من أفغانستان تشير إلى أن الخطر الحقيقي، الذي يهدد أمن ومصداقية الغرب لا يأتي من المناطق الريفية لقبائل «البشتون»، التي تمثل الأغلبية من السكان، ولا من أي عودة لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، ولكن من طريقة تفكير النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة بشكل خاص أو ما تعرف باسم «دوائر بيلتواي» بشكل خاص أو في الغرب بشكل عام.

قد لا يتذكر جيل الشباب اليوم الخطط الضخمة، التي أعلنها القادة الأنجلو-أمريكيون عام 2001 مع انطلاق الحرب الغربية على أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية على نيويورك وواشنطن، فقد تحدث توني بلير في ذلك الوقت عن تحقيق الرخاء ليس فقط للأفغان، وإنما أيضا «للجياع والبؤساء والمحرومين والجهلة، الذين يعيشون في فقر مدقع من صحاري شمال أفريقيا إلى مخيمات اللاجئين في غزة».

وفي أكتوبر 2001 قال ماكس بوت: «إن أفغانستان والأراضي المضطربة الأخرى تصرخ اليوم من أجل ذلك النوع من الإدارة الخارجية المستنيرة، التي قدمها في السابق رجال إنجليز واثقون من أنفسهم يرتدون سراويل رياضية وخوذات من اللباب»، في إشارة إلى الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية حتى منتصف القرن العشرين.

ويقول الكاتب الهندي ميشرا: في عام 2021 اتضح تماما أن بعضا من النخب الغربية غافلة تماما عن التاريخ الطويل للغرب في الحكم غير الكفء والتراجع المخزي له في الدول غير الغربية التي سيطرت عليها، وتحت سيطرة نشوة القوة المطلقة غير الخاضعة للمساءلة، لا تتعلم هذه النخب الغربية شيئا من الواقع الحالي، سواء من سلسلة الفشل المتكرر للتدخل العسكري في العراق واليمن والصومال وليبيا، الذي أدى إلى إطلاق وحوش جديدة مثل تنظيم «داعش» وجعل حركة مثل «طالبان» تبدو معتدلة مقارنة بتلك التنظيمات بالغة التطرف.

ولا ترى تلك النخب الفوضى والعنف المتوقعين نتيجة التدخلات الغربية الدول الأخرى، رغم أنه لا يمكن مقارنة أي عنف أو فوضى حالية بتلك الفوضى الدامية، التي سببها الانسحاب البريطاني من شبه القارة الهندية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في الوقت نفسه لا يرون أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان له أهمية، لم تكن موجودة في أي فك ارتباط إمبراطوري سابق.

في عام 2001 كتب الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان مؤيدا الحرب على أفغانستان يقول «امنحوا الحرب فرصة»، لكن الحروب الإمبريالية الجديدة التي انطلقت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جاءت في توقيت خطأ تماما، فلا يمكن إعادة اختراع التراتبية العنصرية والتكنولوجيات العسكرية التي رافقت الحملة الاستعمارية الغربية في القرن التاسع عشر، في حروب القرن الحادي والعشرين، لقد كان من الحماقة الكبيرة المقامرة بهيئة وأمن ومصداقية الولايات المتحدة في مثل هذه المشروعات المنكوبة.