د ب أ - واشنطن

قد يتبادر إلى الأذهان أن تطورات المشهد في أفغانستان قد تنحصر في سيطرة حركة طالبان على مفاصل الدولة وفرضها لرؤيتها، إلا أن المشكلة على ما يبدو أعمق من ذلك إذ تحتمل تقسيم البلاد نفسها بسبب تفاعلات إقليمية مع دول الجوار.

ولعبة اللوم جارية في واشنطن، وألقى الرئيس جو بايدن باللوم على سلفه الرئيس دونالد ترامب واتفاق السلام مع طالبان الذي حدد موعدا نهائيا للانسحاب الأمريكي، ولم يكن الاتفاق في عهد ترامب مدروسا، لكن أعذار بايدن مخادعة لثلاثة أسباب: أولا، لم تلتزم طالبان بالاتفاق وأبطلته، ثانيا، مر الموعد النهائي لانسحاب الولايات المتحدة قبل عدة أشهر، وأخيرا، لم يلتزم بايدن باتفاقات أخرى في عهد ترامب حول الجدار الحدودي وخط أنابيب كيستون إكس إل، وبالتالي فإن الفكرة القائلة إن ترامب قيد يديه هي مجرد هراء.

ومع ذلك، ففي حين يرفرف علم «طالبان» الآن فوق القصر الرئاسي في كابول، فإن انتصار الحركة ليس نهاية القصة، إن شعور طالبان بالزهو ليس مقياسا لشعبيتها قدر كونه نتيجة لدعمها من جانب باكستان، فنادرا ما يقاتل الأفغان حتى الموت، بل يجنحون بدلا من ذلك إلى الجانب الأقوى، وكان إظهار بايدن للضعف والقسوة هدية لقادة طالبان الذين يسعون إلى إقناع حكام الولايات بالتنحي عن السلطة مقابل النجاة بأرواحهم.

غير أن حركة طالبان ليست قوية كما قد تبدو، ويقول مايكل روبين، زميل معهد «أمريكان إنتربرايز»: إنه في مارس 2000، زار إمارة لطالبان، وفي ذلك الوقت، كانت الحركة تسيطر على 90% من البلاد، وقد مارست ضغوطا على واشنطن للاعتراف بها.

وقال روبين: «قدت السيارة عبر ممر خيبر من بيشاور في باكستان، ثم زرت جلال آباد وكابول وغزنة وقندهار، وفي كل مدينة، قال الأفغان: إن الأمن الذي وعدت به طالبان عندما وصلت الحركة في البداية اختفى بسرعة عندما بدأت طالبان نفسها تفترس الشعب».

وفي حين يقول بعض التقدميين والانعزاليين وغيرهم من منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية: إن إدارة الرئيس الراحل رونالد ريغان أنشأت حركة طالبان، فإن هذا هراء عفا عليه الزمن، فقد دعمت الولايات المتحدة أحمد شاه مسعود وآخرين من الذين أصبحوا نواة التحالف الشمالي الذي حارب طالبان.

وخلال هذه الفترة، صمد التحالف الشمالي، وعبر العديد من المنتمين له الحدود الطاجيكية التي كانت من بين عدد قليل من الحدود المفتوحة أمامهم، وقال روبين: إنه في 1997، زار مزار الشريف أيضا، وكانت في ذلك الوقت تحت سيطرة عبد الرشيد دوستم، ثم دخل من تيرميز في أوزبكستان، وهو الطريق الذي دعمت أوزبكستان وتركيا من خلاله أمير الحرب بالوكالة لهما.

ويقول روبين: إن كل دولة من الدول المجاورة لأفغانستان باستثناء باكستان تخشى طالبان، ومن المتوقع أن يرعى كل منها خلال الأسابيع القليلة القادمة الميليشيات وأمراء الحرب الذين سيحاولون الاستيلاء على الأراضي على طول الحدود لتكون بمثابة حاجز، ومن المؤكد أن روسيا سوف تساعد الجمهوريات السوفييتية السابقة المتاخمة لأفغانستان، لأن روسيا تخشى تغول «طالبان» بين سكانها المسلمين المتزايدين.

ولأن طالبان اعتمدت على الزخم أكثر من براعتها العسكرية، فإن هذا يعني أنها قد تفقد قريبا بعض الولايات الطرفية.

ومع نشاط الدول المجاورة لأفغانستان ورعايتها لوكلاء جدد، قد يستغرق الأمر عاما أو عامين من القتال منخفض الشدة مع طالبان قبل أن تؤسس مناطق نفوذها الخاصة وتقسم أفغانستان مرة أخرى كما كانت خلال فترة الحرب الأهلية في التسعينيات.

وفي ختام تقريره يقول روبين: إن طالبان قد تعلن انتصارها اليوم، ولكنها بالنسبة إلى أفغانستان لا تمثل نهاية القتال أكثر من كونها فصلا في تاريخ دموي. ويضيف قائلا: «استعدوا للمرحلة التالية في الحرب الأهلية الأفغانية».