حسين السنونة - الدمام

الشاعر عساكر: النص ليس مجرد تهويم خيالي ولا رص لصفوف المفردات

أكد الشاعر جاسم عساكر أن التجربة الحياتية الخاصة يجب أن تنعكس على قصائد كل شاعر، وقال إن للإنسان حضورا قويا في أعماله؛ لأنه محور هذا الكون، ووصف القصيدة بأنها وثيقة تدوين للحياة الواقعية، فالنص الشعري ليس تهويما خياليا محضا، ولا رصا لصفوف المفردات، بل يجب أن تكون له صلة مباشرة بالواقع كي يترك أثرا، مشيرا إلى أن الأحساء حاضرة في شعره لأنها في الجينات الوراثية التي لا يمكن لها أن تنفصل عن الإنسان الأحسائي بحال.

وأشاد بدور التقنيات الحديثة في نشر الإبداع ودعم الشعراء.

• يقال إن ما تكتبه أشبه بسيرة شعرية ذاتية تعرض للقارئ عالمك الخاص.. ما رأيك؟

ليس في ذلك مثلبة بل هو ما نطالب به دائما، فالتجربة الحياتية الخاصة هي ما يجب أن تنعكس على قصائد الشاعر، وما القصيدة إلا تعرية للشاعر وحالة كشف عما يبطنه في عالمه الخاص، حتى يضيف بذلك تجربة حياتية جديدة إلى التجارب التي يتماهى معها لتشكيل وحدة هذا العالم.

- هل صحيح ما يقال إن الشاعر جاسم الصحيح هو ظل الشعراء؟

أعتقد أن التعميم بهذه الطريقة فيه إجحاف كبير بالنسبة إلى شعراء كثر حاولوا شق الطريق عبر قراءاتهم المتنوعة والثرية، وليس في حديثي إجحاف بحق جاسم فقد شكل، بلا شك، مدرسة «صحيحية» كبيرة على مستوى الوطن وتأثر بها الكثير من الشعراء.

- هل الشعر يمثل لك قضية وهدفا؟

من أجل أن تستمر علاقتي بالشعر كقضية، يجب أن أزرع على أرصفة الحياة شجيرات خضراء وارفة الظلال من الكلمات، وأن أظل أفتش في السماء عن غيمة تائهة تريد أن تهطل، فأحملها فوق كفي كي أوزعها بالتساوي على الفلاحين الفقراء والحقول والعطشى، ومتى مات أحد الفلاحين فقرا يكون مات بعضي، ومتى جف أحد الحقول يكون مات بعضي الآخر، إلى أن يأتي علي الموت بأكملي، وحين يموت الحقل والفلاح معا دون أن أحرك ساكنا يكون وجودي على وجه البسيطة خيانة لهما، وعليه فلا حياة لخائن.

- هل لنصوصك الشعرية صلة بما تعيشه على أرض الواقع؟

النص الشعري ليس تهويما خياليا محضا، ولا رصا لصفوف المفردات في ميدان اللغة، وإنما يجب أن يكون له صلة مباشرة بالواقع كي يترك أثرا، فما القصيدة سوى وثيقة تدوين للحياة الواقعية، لكن بطريقة فنية ومجازات لغوية وليس بطريقة تقريرية مباشرة.

- مرت سنوات على تأسيس منتدى «ابن المقرب».. فهل حقق أهدافه؟

«ابن المقرب» وإن كنت لا أنتمي إليه كعضو وإنما كشعور وعاطفة وحب، أرى أنه أحرج الكثير من المؤسسات الرسمية ذات الطابع الثقافي بما قدمه من إنجازات، رغم أنه يصغرها عمرا بسنوات، فقد حقق الكثير من المنجزات الإبداعية، كما أقام سلسلة طويلة من الأنشطة، وراح يحقق قفزة تلو قفزة هائلة إلى تخطى الحدود، فله ولأعضائه الكرام كل الشكر والتقدير على جهودهم التي تشكر ولا تنكر.

- يقال إنك تغرق كثيرا في العرفانية من خلال نصوصه الشعرية.. فهل هذا صحيح؟

لا أعتقد ذلك، فالعرفان أمر مختلف تماما عما أكتب، لكن قد تطرأ صورة عرفانية في لحظة ما من هنا أو هناك، بسبب حالة روحية ما أثناء الكتابة أحيانا.

- هل استفدت من مواقع التواصل الاجتماعي؟

يجب ألا نغفل دور التقنية الذي لعبته في تقديم المبدع بسرعة الضوء على صعيد الحضور الإعلامي والانتشار، وإن كانت شرعت الباب على مصراعيه أمام الجميع، دون فرز أو موازين أو اشتراطات أو معايير خاصة بالأدب، ومع ذلك لا ننكر أنه تم من خلالها عقد صداقات وشراكات ومشاريع أدبية كبرى، يعود الفضل فيها إلى هذه المواقع.

- الحضور القوي للإنسان والذات والأحساء في نصوصك الشعرية.. هل هو انتماء للأرض؟

الإنسان هو محور هذا الكون، فلا غرو أن يتسيد القصيدة، وعلى الشاعر أن يغني بجراحاته وعذاباته، وأن يهرب رسائل الحب والحنان إلى شرفاته العالية ويشعره بقيمته، ما ينعكس على إنسانية الشاعر نفسه، وما الحياة دون إنسانية؟ أما الأحساء فهي في الجينات الوراثية التي لا يمكن لها أن تنفصل عن الإنسان الأحسائي بحال حبا وانتماء.

- تمكنك اللغوي واضح في نصوصك.. ألا تخشى أن يؤثر ذلك في عمق الرؤية وشفافية العبارات التي تخلقها في نصوصك الشعرية؟

إن كان هناك قوة حقيقية في اللغة، فذلك أدعى إلى صياغة الرؤى والصور الشعرية بطريقة أكثر تجليا وشفافية في النصوص، وليس العكس، شريطة أن يكون الشاعر يقظا حيال ما يقول، فلا تنزلق به لغته في وديان التيه على حساب معانيه وخيالاته.

- هل الفوز بالجوائز يشبع نهم الشاعر؟

الفوز بالجوائز يشبع جيب الشاعر المغفول عنه في ظل ما يراه من بذخ حيال الفنون الأخرى، أما النهم الشعري فيجب ألا يشبع منه، بل يظل الشاعر في لهاث مستميت ومستمر من أجل إشباعه بإنتاج نصوص مستمرة ذات طابع حيوي وجديد.

- ما الفارق بين أول ديوان لك وآخر ديوان؟

أزعم أن ديواني الأول «شرفة ورد» هو محطات رومانسية لشاعر شاب، تعالج قضايا وجدانية ذاتية، فيما الديوان الأخير «أغنية لهذا المأتم» حاولت فيه أن أتخطى حاجز الذات الفردية، أن أنصهر في الذات الجماعية عبر الحديث عن شجون الإنسان المعاصر بشكل أعم.

- يقال إن جاسم عساكر أسير النصوص العرفانية والغزلية ولا يستطيع الخروج إلى ما هو أوسع؟

لعل هذا القول تنقصه تتمة، فيوجد لدي قصائد إنسانية ووطنية وذاتية واجتماعية تشكل كلها سربا واحدا في أفق القصيدة التي أكتب.

- تعشق التحدي والمغامرة في حضورك مسابقات الجوائز.. لماذا؟

جواب السؤال موجود في طياته، فما الشعر إن لم يكن مغامرة وتحديا؟ وكيف لإنسان أن يصقل تجربته أو يمتحن أدواته الشعرية إن لم يخض معارك شعرية يكتشف من خلالها قدرته ويعالج ما يكشفه من مواطن الضعف؟

- في رأيك لماذا هناك عزوف من المثقفين عن الأندية الأدبية والمناسبات الثقافية؟

الزمن تخطى حاجز المنصة والإلقاء المباشر، فقد تغيرت الأدوات وحلت الصورة المرئية محل المنصة الجامدة، كما أتيحت وسائل وقنوات أخرى كثيرة وكفيلة بتقديم وجبات ثقافية دسمة إلى المتلقي بشكل أكثر سهولة ويسرا.

- هل أنت مع تأسيس مراكز ثقافية كبديل عن الأندية الأدبية؟

إن لم يكن كذلك فليتم العمل على إعادة صياغة لائحة للأندية بما يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، علما بأن وزارة الثقافة عملت على إيجاد منصات يستطيع من خلالها المبدعون بث ثقافتهم عبر اشتراطات معينة، ساعدت في نشر المعرفة وترطيب الأجواء بالأدب.

الأحساء في جيناتي الوراثية ولا يمكن لها أن تنفصل عني

«التحدي» يصقل تجربة الشاعر ويمتحن أدواته الفنية