محمد الحرز

محمد الحرز

مع نهاية السنة كثيرة هي الكتب التي امتلأت بها سلة القراءة لدي. عام 2008 أتاح لي الفرصة كي أكون في حالة سباق محموم مع قراءة كل جديد يقع تحت يدي، وحينما تقع القراءة تحت ضغط المزاجية والرغبة التي تتحكم بفعل القراءة من العمق كما هي حالتي فإنها أي قراءاتي تجيء متنوعة لا تقف عند حدود ومجال معرفي معين. هاجسي المعرفي كان أكبر من الخطط المسبقة التي عادة ما تسبق فعل القراءة. وفق هذه الوصفة القرائية كان كل مجال معرفي له حظ وافر من الإطلاع. فعلى المستوى السياسي كان كتاب (أمريكا والعالم) للدكتور غسان سلامة هو من أفضل الكتب التي تكشف بلا ريب عن كيفية تشكل الخطاب السياسي الأمريكي من الداخل وكذلك كيفية تشكل المؤسسات السياسية ودوائرها المنتشرة على طول البلاد وعرضها. وكذلك أثر هذه السياسة على العالم بأكمله. ورغم أن كتاب جورج قرم (شرق غرب: الشرخ الأسطوري) صادر عام 2003 إلا أنه كتاب جدير بالقراءة لأكثر من مرة فهو يذهب إلى العمق في طرحه حين يكشف عن جملة من المفارقات والتناقضات التي يتسم بها الفكر الأوروبي وهي مفارقات تظهر بشكل واضح سواء في خطابه الفكري والفلسفي أو الخطاب السياسي حيث الوشائج والروابط لا تنفك تغذي الواحدة الأخرى. أيضا من الكتب المهمة في هذا المجال كتاب صدر مترجما عن دار النهار وهو للمؤرخ الأمريكي ريتشارد بوليت بعنوان ( دفاع عن مقولة الحضارة المسيحية الإسلامية) ورغم أن الكتاب يعنى بالجانب الثقافي التاريخي إلا أنه في المجمل يفند مقولات الاستشراق السياسي الذي ارتكزت عليه السياسة الأمريكية في حربها ضد ما يسمى بالإرهاب الإسلامي ، وما تبعه من غزو للعراق. فالكاتب يخلص إلى نتيجة جد مهمة هي أن التقارب بين الإسلام والمسيحية أكبر بكثير من التقارب بين الإسلام واليهودية.وفيما يخص دراسات الإسلام السياسي- لا مجال هنا لذكر ملمح عنها- هناك كتاب « الفتنة- حروب في ديار المسلمين « لجيل كيبل, وكذلك كتاب عبد الوهاب المؤدب « أوهام الإسلام السياسي» وكتاب « الصراع على الإسلام « لرضوان السيد. أما على مستوى المجال التاريخي بالتأكيد هناك جملة من الكتب نكتفي ببعضها. هناك كتاب إيريك وولف ( أوربا ومن لا تاريخ لهم) وهو من الكتب التي تأتي في سياق تفكيك المركزية الأوروبية ، وهو يفند هذه المركزية وذلك بالرجوع إلى التاريخ المتعارف عليه في تشكيل لحظة الحداثة عند الغرب ويقول ما معناه ان مجتمعات الحضارة الإسلامية والصينية والهندية لم تكن كما صورها الغرب متخلفة اقتصاديا واجتماعيا ومعرفيا ولكن لظروف أخرى لسنا بصدد الحديث عنها هي التي أمالت الكفة إلى جهة الغرب. أيضا في هذا الإطار يأتي كتاب ماريا روزا ويلوكال ( الأندلس العربية: إسلام الحضارة وثقافة التسامح). تعيد المؤلفة في هذا الكتاب رسم تاريخ الأندلس العربية بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلاديين اعتمادا على زخارف بارزة وأوجه معروفة وشعراء التروبادور وفلاسفة ورجال علم وسياسة وقصور ومكتبات وحدائق ومساجد وكنائس وهي في النهاية تبين أن هذه الفترة العجيبة المدهشة للأندلس العربية تشكل حتما جزءا من الميراث الثقافي العالمي ومن مستقبل العالم. أما على مستوى الدراسات الدينية فهناك كتاب (المأزق في الفكر الديني) للدكتور نضال الصالح وكذلك كتاب (الدين في عالمنا) وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات تحت إشراف جاك ديريدا وجياني فاتيمو وهو في مجمله إعادة قراءة لمفهوم الدين وفق مستجدات العصر أو ما يسمى بعصر ما بعد الحداثة. على مستوى الإبداع والأدب هناك كتاب عبد الفتاح كليطو ( حصان نيتشه) وكتاب خورخي لويس بورخيس ( صنعة الشعر) وكتاب( ابن الكلمة:الشاعر بين الإسلام والغرب) للشاعر صلاح ستيتية وهو عبارة عن حوار متعدد الجوانب الفكرية منها والأدبية في حياة الشاعر نفسه , حيث لا يخلو الحوار من تأملات فلسفية شعرية عميقة للحياة التي يعيشها شاعر حقيقي. في الرواية والأعمال الشعرية هناك وديع سعادة ومحمود درويش , الأول في ديوانه « تركيب آخر لحياة وديع سعادة « والثاني « في حضرة الغياب» وهناك رواية « عراقي في باريس « للروائي العراقي صاموئيل شمعون .وهناك كتاب « تأمل العالم – الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية» لعالم الاجتماع الإدراكي الفرنسي « مشيل مافيزولي.وهو كتاب ينهض على فكرة مفادها أن المجتمعات ما بعد الحديثة طرأت عليها تحولات في قيمها بحيث تهرأت كل علاقة قائمة بينها وبين ما كان يسمى بالمجتمعات الحداثية , وهو يركز في سياق تحليله على بعض القيم التي كانت في محل المقدس بالنسبة للمجتمعات الحداثية مثل العقلانية والفردانية. فهو مثلا يعيب على النظرية السيسيولوجية احتفاءها بكل ما له علاقة بالعقلانية , أو ما يمكن تسميته بنزع القداسة عن المجتمعات الغربية , وإغفالها باليومي والعابر في المجتمعات, حيث يرى أن المتخيل وتجلياته في الحياة اليومية هو الفاعل الرئيس الذي تتشكل من خلاله جميع القيم التي تنهض عليها المجتمعات الغربية بالخصوص.Mohmed_z@hotmail.com