أعادت واقعة الاعتداء على ثلاثة أطباء في أحد مستشفيات مكة المكرمة إلى الذاكرة وقوع اعتداءات مماثلة على الأطباء والممارسين الصحيين، بل والحراس المدنيين في بعض المجمعات التجارية وغيرها، وهو تصرف مستهجن على مجتمعنا، الذي يرفض من منطلقات دينية وإنسانية وأخلاقية الاعتداء على الآخرين سواء باللفظ أو العنف أو غير ذلك من أشكال الاعتداء، وهذه الحالات وإن كانت قليلة في بلادنا للأسباب، التي تم ذكرها، فإنه لنفس الأسباب ينبغي أن يوضع حد لها حتى لا تتكرر وتصبح ظاهرة يصعب السيطرة عليها -لا سمح الله-. وما قام بالتذكير به بهذه المناسبة بعض المحامين والحقوقيين من العقوبات، التي تفرضها الأنظمة على مرتكبي هذه الاعتداءات كفيل بردع هؤلاء عن القيام بمثل هذه الأعمال، وتحذير لغيرهم من الوقوع فيما وقعوا به، فقد أجمع هؤلاء على أن الاعتداء على الموظف العام جريمة مستقلة وفق المادة السابعة من نظام مكافحة الرشوة ونصها «يعاقب كل مَنْ استخدم القوة والعنف أو التهديد في حق الموظف العام بالسجن حتى عشر سنوات والغرامة بما لا يزيد على مليون ريال»، والممارسون الصحيون، الذين تم الاعتداء عليهم، والذين قد يتعرضون لمثل هذا الاعتداء مستقبلاً هم بلا شك موظفون عموميون، وتسري على المعتدين عليهم العقوبات نفسها، ولا شك أن التذكير بهذه العقوبات، والتعريف بها ينبغي أن تعتني به الجهات الإعلامية والتربوية بما في ذلك المدارس والجامعات، والقنوات المقروءة والمسموعة، وكذلك المساجد والمنظمات الأهلية وغيرها، ولا ينبغي أن يقتصر ذلك من التحذير من الاعتداء على الممارسين الصحيين فقط، بل كل الموظفين العموميين، والحراس المدنيين في المجمعات، الذين أيضاً يتعرضون للاعتداءات، كما أنه يجب التركيز على أن الاعتداءات اللفظية أيضاً تشملها هذه العقوبات، وهي لا تقل سوءاً واستنكاراً من الاعتداءات البدنية. وإذا كان بعض الذين يحاولون تبرير اعتداءاتهم بأنهم يكونون تحت تأثير صدمات وانفعالات نفسية نتيجة حالة مريض عزيز أو وفاته وقت الاعتداء، فإن هذا العذر ليس مقبولا،ً ونحن أمة تؤمن بقضاء الله وقدره، كما أن الأطباء والممارسين الصحيين هم أيضاً بشر يتعرضون لضغوط العمل ولضغوط نفسية عديدة نظراً لطبيعة عملهم، كما أن حقوقهم وواجباتهم يحددها النظام، وهو الذي يطبق العقوبات عند تجاوزها، وكذلك فإن المستفيد والمريض أيضاً لهم حقوق وواجبات يكفلها النظام، ويتابع حصولهم عليها، ولا يسمح بانتقاصها، ويمكن للمريض وأهله أن يراجعوا الجهات المختصة إذا حصل نقص في هذه الحقوق مع أن ولاة الأمر -أيدهم الله- يضعون دائماً في مقدمة اهتماماتهم تقديم أعلى مستوى ممكن من الخدمات الصحية، ويشمل ذلك البيئة المادية للمستشفيات، وتوفير أحدث الأجهزة الطبية، وكذلك أكثر القوى البشرية كفاءة من الأطباء والممارسين الصحيين بكل تخصصاتهم، كما أنها تضع ثقافة جميع العاملين وسلوكياتهم تجاه المرضى في محل اهتمامها دائماً وأبداً. وما يقال عن حرمة الاعتداءات اللفظية واليدوية على الأطباء والممارسين الصحيين ينطبق تماماً على غيرهم من الموظفين العموميين، الذين ينبغي أن يكونوا محل احترام وتقدير، كما يطلب منهم أيضاً حسن معاملة المستفيدين، وكما أنهم يخضعون للعقوبات التي يفرضها النظام إذا قصروا -لا سمح الله- في تأدية واجباتهم أو أخطأوا بحق المراجعين والمستفيدين، ومن الإنصاف أن يضمن لهم النظام الحماية حال تعرضهم لأي تجاوزات لأي سبب كان، ولا يجوز لأي إنسان أن يأخذ حقه بيده أو لسانه أو يطبق النظام على هواه، فالنظام ينصف الجميع وهو فوق الجميع أيضاً.
Fahad_otaish@
Fahad_otaish@