حسن السبع
اعتاد منتجو الأفلام أن ينبهوا المشاهدين إلى فئة الأعمار التي يحظر عليها أن تشاهد الفيلم، أو التي تشاهده تحت إشراف الوالدين، أو التي لا تشاهده في الحالتين إذا كان الفيلم للبالغين فقط.. وسأحذو هنا حذوهم فأنبه إلى أن هذا المقال قد كتب لغير الجادين. ولهذا وجب الاعتذار سلفا.والعذر هو الحجة أو المبرر للتنصل من التزام ما، أو تبرير فشل ما. وتكاد تكون حياة بعضهم سلسلة من الأعذار والمشاجب. هنالك دائما ظرف ما خارج الإرادة حال بيننا وبين ما نريد. مبررات ذات مفعول سحري تحول المقصر والمتسيب والمهمل إلى ضحية اجتهد فأخفق. ولأن العذر يحتمل الصدق والكذب فإني لست واثقا من صدق الشاعر (أبو ذؤيب الهذلي) عندما قال : «ألا زَعَمتْ أسماءُ أنْ لا أحبها/ فقلت : بلى، لولا ينازعني شغلي». وأسماء أدرى بظروف صاحبها، وما إذا كان مشغولا أم يتشاغل لحاجة في نفسه. وقد كان انشغال الأزواج الطموحين الساعين إلى النجاح أحد أسباب شكوى كثير من الزوجات. وإذا كان صاحبنا صادقا فعلى أسماء أن تقف إلى جانبه، وأن تشد عضده، فوراء كل رجل عظيم.. أسماء!ويبدو أن الشغل عذر شائع للمعتذرين الذين لا عذر لهم، مثل تلك التي تراوغ العباس بن الأحنف وتعتذر بالشغل كما فعل أبو ذؤيب.. ولأن العباس لا تنطلي عليه مثل تلك الأعذار فإنه يعبر عن ذلك بقوله : «تعتلُّ بالشغلِ عنا ما تكلّمنا/ الشغل للقلب ليس الشغل للبدن».ولعل ذلك هو ما يشغل بال أسماء ويؤرق منامها بحثا عن سبب انشغال صاحبها، فإذا كانت ممن يرى النصف المليء من الكأس ، فسوف تتوقف عن (النق) وتكتفي بقول الشاعر : «لعل له عذرا وأنت تلوم».ومن أظرف ما قرأت نص ساخر عنوانه (أعذاري) لشاعرة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات تدعى (فيث ديسكنز) وسوف أترجم نصها بشيء من التصرف. موضوع النص تلميذة مكلفة بكتابة فرض مدرسي لكنها لم تنجزه. وتفكر في الاعتذار على هذا النحو : «شرعت في كتابة فرضي المنزلي لكن قلمي جف حبره. لا.. بل أكل الهمستر (حيوان من القوارض شبيه بالجرذ) فرضي المدرسي. لا.. لقد سقط من دون قصد في الشوربة التي كانت تعدها أمي. بل سحب أبي عليه السيفون وأنا غافلة. لا.. لقد وضعت أمي فرضي المنزلي في الغسالة ثم في مجفف الملابس. بل تحطمت طائرة فوق بيتنا فاحترق.. أو لأقل هبَّ إعصار فطيره بعيدا.. بل ضرب بركان مدينتي.. اختطفني غرباء .. هاجمني سمك القرش. نهبه مني أحد القراصنة ورفض رده إلي». وتختتم فيث نصها بالقول : «لقد قضيت وقتا طويلا كي ألفق هذه الأعذار، ثم أدركت بشكل مروع أنه كان من الأسهل علي أن أنجز فرضي المنزلي بدلا من ذلك!». وهذا هو بيت القصيد. وقد كتبتُ نصا ساخرا ملتمسا فيه بعض الأعذار لأولئك الموظفين المتسيبين الذين يجدون كل يوم عذرا للتأخير أو الغياب عن العمل قلت فيه : إذا شرحتم سببَ التأخيرِ/ لِصاحبِ السعادةِ المديرِ/ فقلْ لهُ (فشَّتْ) لديكَ العَجَلَه/ وأُصْلِحتْ بعدَ العنا والبَهْدَلَهْ / أو قلْ لهُ (مَدَامُنَا) توعَّكَتْ / أو طفلُنَا عن الصراخِ ما سَكَتْ / أو قلْ له راحتْ عليَّ نَوْمَهْ» في ليلةٍ مزعجةٍ مَشْؤومَهْ / ما أكثرَ الأعذارَ يا صديقي / لِمُدْمِني الخريطِ والتلفيقِ. لفّقتُ هذه الأعذار دون أن أتقاضى عنها أجرا، وبعد كتابتها بشهور قرأت خبرا في جريدة (اليوم) عن موقع إلكتروني يسوّق الأعذار : يقول الخبر : أصبح الآن بمقدورك أن تشتري أعذارا بعد أن اعتمد موقع تجاري صيني بيع أعذار مختلفة للناس.. ويوفر الموقع أعذارا متنوعة لمناسبات عدة وبأسعار متفاوتة،. وبالنسبة لأسعار الأعذار فالموقع يمنح سعرا لكل نوع. وفي الموقع قائمة بالأسعار. أما أعلى الأعذار سعرا فهو المخصص للتملص من التقدم للزواج، ويصل سعر هذا العذر إلى 155 دولارا. خبر ظريف لكنه يعني أنه لا يوجد شيء في هذا العالم غير قابل للبيع بما في ذلك الأكاذيب. وبعد : فقد أشرتُ سلفا إلى أن هذا المقال قد لا يلبي توقعات الجادين. طِبْتم جميعا وطابتْ أيامكم.hsn_saba@hotmail.com