محمد الحرز

بعد عقدين من الزمن، ستكون في العمر الذي يهيئك فيه أن تواجه صعوبات الحياة بما اكتسبته من تعليم وبما ورثته من تربية وبما راكمته من سلوك وخبرة في الاحتكاك بالآخرين.

سيتوجب عليك الاعتماد على نفسك بالقدر الذي كنت فيه معتمدا على والديك في كل صغيرة وكبيرة، وسيتوجب عليك أيضا أن تعي معنى المسؤولية، وما يترتب عليها من تبعات، تؤثر بطريقة أو بأخرى على مسار حياتك ومستقبلك.

ما سأقوله لك ليس يندرج ضمن أدب النصائح التي يتلقاها الأبناء من آبائهم وأجدادهم، أو ضمن التقليد العام المتوارث في الأسر بين الآباء والأبناء، ما سأقوله هو بمثابة تجربة جيل بأكمله، وما نحن سوى جزء منه، وشهود عليه. قد لا يعنيك سرد التجربة في جميع أبعادها: الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وقد لا تجد الوقت الكافي للاستماع أو حتى الرغبة في الاستماع، فما يهمك بالنهاية هو ما يتعلق بحياة أبيك أو جدك تحديدا.

لكن فرصة الاستماع إلى تجربة متكاملة كهذه، هي نادرة الحدوث بين جيل وجيل آخر، أو حتى بين أب وابنه، فالحياة التي يعيشها البشر أشبه بقاطرة تمشي إلى الأمام ولا تستطيع التوقف أو التراجع للخلف، وكلما حاولنا نحن الركاب على الأقل الالتفاف للخلف، نصاب بالدوار والغثيان، وبالتالي يصعب علينا تأمل الحياة واستيعاب دروسها ونحن في راحة تامة وسعة من الوقت والاطمئنان.

لذا من المهم أن تفرق بين نصيحة عابرة وبين الإصغاء إلى حياة كاملة الدسم تقدم أمامك كما هي، فتأخذ ما تأخذ منها وتترك ما تترك.

كنا في مثل عمرك نتطلع إلى الحياة بعينين بريئتين وبيدين طريتين وبقامة لم تجرب السير تحت سماء غريبة. كنا في نهاية الثمانينات الميلادية وبداية التسعينات مقبلين على الحياة العملية، لم نكن في وقتها مهمومين بالبحث عن وظائف، كانت متوفرة في الكثير من المجالات، ولن تجد صعوبة في الحصول عليها سواء كنت من الطبقة المتوسطة، أو من ذوي الدخل المحدود أو حتى الطبقة الفقيرة. لكن الصعوبة كانت تكمن في الاختيار، رغم أنك في مسارك التعليمي، قد يكون تخصصك الجامعي يفرض عليك وظيفة محددة كالتعليم أو مهندس في شركة أو طبيب وهكذا. لكن مع وفرة الوظائف كان متاحا للشخص أن ينتقل من وظيفة إلى أخرى دون أن يجد صعوبة في مسألة التنقل، وهذا ما حدث للكثير من جيلي.

لكن الوضع اختلف تماما، عليك الآن التريث، ووضع قدمك في موضع الثقة من نفسك، والنظر إلى مستقبلك، ولا يتأتى لك ذلك إلا إذا أخذت العبرة من تجارب الأجيال السابقة، وأن العبرة فيما أقوله لك خلاصتها الاستفادة من تبدل الأحوال والظروف بين زمن وآخر، والأخذ بعين الاعتبار المآلات التي انتهى إليها بعض الناس من جيلي بعدما كانوا يتمتعون في بداية مشوارهم الوظيفي بالكثير من الفرص. لكن لم تستثمر بالشكل الصحيح.

ناهيك أننا جيل استقبل حياته العملية دون أن يتدرب بشكل مسبق على معنى ثقافة المستقبل، أو كيف نفكر بمستقبلنا بحسب الأحوال والظروف المرتبطة به؟ إن من أكبر الأخطاء التي عشناها، أننا تركنا الآخرين - وأغلب الظن كان التأثير العام يأتي من الصحبة والأصدقاء أكثر من كونه يأتي من الأهل في الكثير من المسارات التي رأيتها على الأقل عند القريبين من تجربتي - يمارسون وصاية تحديد مستقبلنا المهني. لذلك يصعب عليك أن تفهم شعور المرارة الذي تجده عند البعض حين يتحسر على ضياع الفرص التي مرت عليه ولم يقتنصها في وقته. ودائما كان السبب يحال عندهم على فقدانهم للبوصلة التي ترشدهم للطريق الصواب.

لذلك أقولها لك: تمعن في وجوه من عاش قبلك، واقرأها ببصيرة العارف الذي يريد أن يخطو إلى مستقبله وهو مسلح بجميع خبرات من سبقه، وبإرادة الشباب التي لا تلين. قد يكون كلامي لك يأخذ جانبا واحدا من الحياة التي أود أن أسربها لك فقرة فقرة حتى يظل الحبل المشدود بيني وبينك لا ينقطع حتى الممات.

mohmed_z@hotmail.com