حسن السبع
بدل إصغاء: لا يوجد في القاموس البيروقراطي المحلي (بَدَلا) تحت هذا العنوان. مع أنه بَدَلٌ له ما يبرره، ويستحقه من يحضر بعض الاجتماعات الإدارية التي يسود فيها الهرج والمرج، ويتحدث خلالها الجميع في وقت واحد. يوجد في لائحة البدلات: بدل نقل، وبدل عدوى، وبدل ضرر، وبدل مناطق نائية. لكني اخترعت هذا البدلَ بعد أن سمعتُ الأستاذ أحمد سماحة يطالب بتعويض عن إصغائه لنصوص إحدى الأمسيات الشعرية. وبالتأكيد فإن التعويض يشمل المتلقي في بعض الأمسيات القصصية أيضا. طلب الأستاذ سماحة تعويضا لأن ما قُرِئَ من نصوص أقل قيمة من الوقت الذي أهدره. وحين يتعلق الأمر بالكتابة الإبداعية فإن الأسئلة الأعظم أهمية هي: ما هو الجديد الذي يمكن أن تضيفه كتابة ما إلى أفق المتلقي؟ وما هو الزمن الذي تشير إليه؟ وما هي الأسئلة التي تثيرها؟ أو على الأقل: ما هي المتعة التي تمنحها للمتلقي كي لا يطالب بـ (بدل إصغاء) ؟ الأسئلة كثيرة وهذا غيض من فيض. لقد خرج زميلنا سماحة خالي الوفاض، وخرجت مثله، وفي ذاكرتي عبارة من رواية (اللوح الأزرق) للروائي جيلبرت سينويه تقول : «وحده الفراغ لا يوصف»!***عجيب المداخلات:أعود بالذاكرة إلى الوراء بعيدا، إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، مع أن مناخ المداخلات في الأمسيات الثقافية لم يتغير كثيرا. أي أن المشهد ما زال يعيد نفسه. وهي مداخلات توحي للمراقب أن هنالك رغبة ملحة لمداعبة الميكرفون، ثم ليس مهما بعد ذلك ما ينتج عن تلك المداعبة الصاخبة. سوف يقف أحد فرسان الكلام، أو يظل جالسا، ويشكر إدارة النادي أو الجمعية، ثم يشكر المحاضر، ثم مقدم الأمسية، وسيعلن على الملأ أنه كان يريد أن يشير إلى نقاط سبقه الإخوة، سامحهم الله، إليها. ولكي يجد مبررا لوقوفه أمام الميكرفون سيلجأ إلى وسيلة سهلة فيعلن قائلا: غير أنه قد بقي بالجعبة ملاحظة أجدها على درجة من الأهمية، فقد ارتكب المحاضر خطأ لا يغتفر عندما قال: «صدفة» وكان عليه أن يقول «مصادفة». ثم يعود إلى مكانه في القاعة فخورا بذلك الفتح العظيم.حضرت أمسية قصصية أقيمت في التسعينيات اعترض فيها أحدهم على قول القاص «ربض الحمار» قائلا: لم نسمع بحمار رابض، بل سمعنا بأسد رابض. فما كان مني بعد تلك الأمسية إلا أن لجأت إلى (لسان العرب) مستعينا به على نوائب بعض المداخلات. وقد وجدت ابن منظور ينسب فعل الربض أو الربوض للأسود والخيل والغنم والبقر والثيران الوحشية والكلاب والكباش والشياه، وتساءلت: لماذا نستكثر على الحمار ذلك الفعل؟ لكن ابن منظور لم يغلق الباب في وجه الحمار، فقد نسب فعل الربض للدابة، وعرَّف الدابة بأنها كل ما يركب. والحمار دابة تركب منذ القدم وإلى أن تنقرض سلالة الحمير. ولم يكتف ابن منظور بذلك بل أضاف قائلا: «وكل شيء يبرك على أربعة فقد ربض ربوضا»! والحمار يبرك على أربعة، فهو، بناء على ما تقدم، يربض ربوضا. ولذلك نستطيع القول: حمار رابض وأسد رابض.. وآه من بعض المداخلات الباردة. ***مواهب للتأبينيروى أنه بعد رحيل عبقري الموسيقى بيتهوفن، حاول أحد تلامذة الموسيقى تأليف قطعة موسيقية لتأبين بيتهوفن، ثم قدم عمله إلى جواكينو روسيني (1792-1868) وهو مؤلف موسيقى إيطالي، للاستعانة برأيه، وبعد أن نظر روسيني إلى المقطوعة الموسيقية التفت إلى المؤلف الشاب قائلا: «يا للأسف! كم كان أفضل لعالم الموسيقى لو كنت أنت الميت، وألَّفَ بيتهوفن مقطوعة في تأبينك»!قد لا تملك كأحد المشتغلين بالكتابة أو بالنقد الأدبي والفني قسوة روسيني عندما يعرض عليك أحدهم تجربة أو محاولة متواضعة ينبغي أن تدفن دون تأبين، فتلوذ بالصمت، وتتمنى أن تنتهي الأمور عند هذا الحد، لكنك تفاجأ بعد أيام باتصال هاتفي قد جاءك من المقبرة، يسألك عن رأيك صراحة، فيسقط في يدك. أنت لا تملك فظاظة روسيني لذلك ستلف وتدور، وتشرق وتغرب، وتتيامن وتتياسر، وتعرق وتنشف، كي يفهم (المرحوم) المحروم من الموهبة أنه إذا كانت الأمور تعرج بعد كل تلك المحاولات فلا موجب للذهاب بعيدا. hsn_saba@hotmail.com