محمد العلي

محمد العلي

ابن المعتز (861 ـ908م) من اوائل من اسسوا علم البديع ووضع الحدود بين اقسامه. وهو اقصر كل الخلفاء خلافة.. فخلافته لم تتعد 24 ساعة.. اي انه يصدق عليه ما قاله بشارة الخوري في المتنبي:طلبت بالشعر دون الشعر منزلةالحمد لله اذ لم تبلغ الطلبااذن لأثكلت ام الشعر واحدها (لا اتذكر الشطر الثاني)الى جانب ذلك كله نراه يوصف منذ القدم بالبراعة في التشبيه.. غير اني هنا لا تهمني تشبيهاته.. الذي يهمني فقط هو قوله:لي من ذكراك مرآةارى وجهك فيهافهو هنا جعل الذكرى بديلا عن الواقع.. وقد نقرأ بيته قراءة جمالية فنخلق فيه حرارة اللقيا وهمساتها حتى نرى شرر اللحظات يتطاير امام عيوننا.. ولكن هذا المعنى الذي نشارك المبدع في صنعه يبقى احتمالا.. اما ما عناه الشاعر فيبقى معنى ذاتيا خاصا بالشاعر.وحين نقرأ شاعرا اخر يقول:مثلت في الذكرى هواك وفي الكرىوالذكريات صدى السنين الحاكياو نقرأ شاعرا ثالثا:ذكريات داعبت فكري وظنيلست ادري ايها اقرب منيفلا بد من السباحة مع الشاعر.. ولابد من هذه (اللا ادرية) في اختلاط القرب والبعد بين هذه الذكريات.. ذلك لان (الوضعية المنطقية) تؤكد ان هذه المعاني وامثالها تبقى في افقها الخيالي وليس لها واقع يمكن ان يشار اليه او يقال فيه: هذا صادق او كاذب لانه خارج التجربة.. لذا يبقى شجرة لا يرى ثمارها خير قائلها.. وكل من يدعي انه يرى هذه الثمار بعينها لا يمكن ان يكون الا في سحابة خيالية ضالة.يقول وديع سعادة:( الذكرى ثلجلا يضمن الوقوف فوقه طويلاارحل )وديع سعادة يدير ظهره للذكرى ـ اي ذكرى ـ ايا كانت ثمارها، حلوة او مرة.. انه يطلب منا ان نسير.. الا نلتفت.. وهذا السلوك الشعري الذي يدعونا اليه وديع، على الرغم من انه يتعارض مع سنة الحياة الداخلية للانسان.. وعلى الرغم من القائه في البحر كل ما يقوله النفسيون.. بل وعلى رغم انف الوضعية المنطقية.. هو الطريق الجمالي الوحيد لما يحسن ان نسير فيه.ارحلهذا الامر/ النصيحة هو ما يحسن اتخاذه سراجا لا للنسيان فقط.. بل للتجاوز والارتفاع عن الذكريات سواء كانت عذبة ام مالحة.. ان الحياة متجددة.. اي انها تترك لك في مغرب كل يوم ذكريات جديدة فاذا استسلمت لهذه الذكريات فمعنى ذلك انك نقلت حياتك من اليوم الى الامس.ارحل.. ارحل.mali@alyaum.com