محمد العصيمي
.. وإذا كان الشباب يقعون في حفرة التطرف الديني أو حفرة الاستهتار، فإن السبب هو نحن بكل ما لدينا وما علينا. كيف؟ إذا كان ابني (11 عاما) يجلسني الآن على كرسي الاعتراف مطالبا بأن أكون على قدر توقعاته في الموقف من ذاك الدين وهذا المذهب. وإذا كانت ابنتي (8 سنوات) تأخذ مكان هيئة كبار العلماء فتفتي في الحلال والحرام من الموسيقى والحجاب، فماذا عسانا ننتظر من شاب أو فتاة تعرض أو تعرضت لحقن (تشددية) غليظة على مدى ثمانية عشر عاما من عمره أو عمرها على الأقل؟! الشمس لا تغطيها بإصبعك، حتى لو تذاكيت وحركت إصبعك في أكثر من اتجاه. ولذلك لابد أن نعترف اعترافا لا لبس فيه، بأن مصادر المعرفة في مجتمعنا لم تكن أبدا على كلمة واحدة أو على قلب رجل واحد، بل هي تصدر من خلال كلمات متفرقة وتتنازعها قلوب متنافرة متربصة، وكل قلب يتمنى زوال قناعة القلب الآخر.والقلوب إذا تفرقت أغرقت السفينة وأغرقت أهلها، الذين يظنون أنهم يقتفون آثار من يحسنون صنعا، ومن يرتقون خروق السفينة وليس من يخرقونها. لا شيء أخطر على مجتمع من أن يؤجل رتق خروق سفينته، ويؤجل قضاياه الرئيسة الملحة لأنه لا يمكن حسم هذه القضايا، فالتأجيل صيغة هروب من الواقع لا تخلو من خوف من النتائج المحتملة لو تمت مواجهة هذا الواقع فوق الطاولة، مع أنني مستعد لمواجهة أية نتيجة تنتج عن عملية حسم، بينما ترعبني النتائج التي تَسوق نفسها وتفرض نفسها نتيجة لطول وقت تأجيلها وتسويفها.الذين يغرسون بذور التشدد في أولادي وأولادك موجودون في المدرسة والحارة ومجالس البيوت ومراكز التنمية الاجتماعية وحتى في ملعب كرة القدم، لأن التشدد لا يحتاج إلى قراءة مجلد عتيق أو إلى الاستماع مطولا إلى خطبة جمعة. الكلمة تكفي لتنزع قلوب الصغار من أماكنها. حين يقول كبير لصغير إنك لن تدخل الجنة إذا واليت من حاد الله ورسوله، ثم يُفصل محاداة الله ورسوله على مقاس أفكاره ورؤاه الخاصة، فإن هذا الصغير سينزع إلى ما ذهب إليه ناصحه، الأكبر منه سنا والمفترض أنه أكبر منه عقلا وفهما، فالصغار أوان خالية تستقبل ما تنضح به الأواني الأخرى بكل عفوية وبراءة ذهنية ونفسية.ولهذا وقعت في السنوات الماضية الكثير من فؤوس التشدد في رؤوس الصغار الأبرياء، بينما كانت أسر هؤلاء الصغار غافلة عن النتائج الماحقة لوجودهم ومستقبلهم. تفاخر آباء وتفاخرت أمهات بما بلغه أبناؤهم وبناتهم من (الالتزام) الديني، ثم إذا هم يبكون أسفا ودما على ما فرطوا في حقوق هؤلاء الأبناء والبنات، الذين تُركوا تنهشهم الأفكار الخارجة عن المنطق والبعيدة عن صناعة الحياة، مع رجاء الآخرة: «وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ». ترى لو أدب كل أب وأدبت كل أم أولادها على معاني هذه الآية، هل سيضرس أبناؤهم الحصرم الذي أكله الآباء يوم أطلقوهم يرعون في حياض التشدد والإلغاء وتوزيع صكوك الغفران على الناس. إلى اللقاء يوم الجمعة القادم.. وفقنا الله.osaimin@yahoo.com