محمد العصيمي

محمد العصيمي

أنا مصر على الدخول في هذا الموضوع، بالرغم من احتمالات الفشل فيه، خاصة إذا ما أخذنا المفارقات على الصعيد الاجتماعي لدينا في الاعتبار. الناس عندنا منقسمون بين فئتين: إما التشدد في الاتجاه الديني، أو التطرف في الاتجاه الليبرالي. وما بين الفريقين ضاعت (الطاسة)، ولا زلنا نبحث عنها. كل فريق بما لديهم فرحون ومتمسكون، بينما تصاب حركتنا الاجتماعية المستقبلية بكثير من التأخر نتيجة لهذا التمسك، الذي لا يخلو من مكابرة تتنافى مع الواقع الذي يفرض نفسه على فئات المجتمع على اختلاف مشاربها العقائدية والفكرية.في أكثر من محفل ومجلس يتبادل الناس أمنيات الانعتاق من بعض فروض هذا الواقع، لكنهم حين يغادرون محافلهم أو مجالسهم يعودون لما هم فيه من غي خصوصية الفئات وتمايز المكتسبات بين فئة وأخرى، وما يجب على كل الفئات أن تتبعه أو تقلده باعتباره فصل الخطاب. يرفع كثيرون في مجتمعنا الأقلام ويجففون الصحف على ما لديهم من آراء يحاولون أن يعسفوا الناس ليتبعوها، وإلا فإنهم سيسقطون حين يُخض غربال (الحق والباطل) ويلقيهم في مزبلة التاريخ التي اتسعت مساحتها في السنوات الأخيرة، أو يضعهم مرغمين خلف الهامش الاجتماعي الذي يزداد ارتفاعا وصلابة.يأتي شاب يريد أن يفهم كيف تقاس المواطنة إذا ما وضعت على محك الدين، فيهز شيخ يده في وجهه مستغربا السؤال ومستهجنا الجرأة في الخروج على مألوف الناس وخطهم السائد المقر سلفا. ويأتي شاب فيسأل أحد عتاة الليبرالية: كيف يمكن ألا تلتقي مع الشيخ فلان لتتناقشا على الأقل في المشترك على أساس المواطنة في الأرض التي تسع الجميع، فيهز هذا الليبرالي يده في وجه الشاب مسفها حمى التفاؤل التي انتابته، إلى درجة أن يصبح قادرا على تخيل أنه يمكن أن يلتقي ليبراليا ودينيا فيتفاهمان.!!ومادام الأمر كذلك، فليس بمستغرب ولا مستهجن أن يذهب الشاب، بحيوية وطاقة مطلقة ليقع في أحد أمرين: حفرة التطرف أو حفرة الاستهتار. وإذا كانت الحفرة الأولى مفهومة، فإن الحفرة الثانية الـ (ملطفة) هنا تعني: الاستهانة بكل قيم ومكتسبات المجتمع وعاداته وتقاليده. هذا إذا اتفقنا أن بعض التقاليد حميدة لا يجب التنازل عنها أو التقليل من أهميتها. فتقليد تماسك الأسرة، على سبيل المثال، مغنم ثقافي شرقي كبير، لا يُفترض أن يهدد على هذه الصورة التي نلحظها الآن، إلى درجة الوقوع في الجريمة من فرد في الأسرة على فرد آخر، دون أن يرف للمعتدي جفن نفسي أو عاطفي، أو جفن قيمي نابع من التمسك بثوابت الدين التي تحض على الإحسان والرحمة والعدل.وإلى اللقاء يوم الأحد القادم..osaimin@yahoo.com