محمد الحرز

محمد الحرز

يبدو لي أن الشعر بالأحساء كممارسة- وإن كنت لا أفضل هذا الربط بين الجغرافيا والشعر- , لم يشكل مصدرا رافدا للهوية التاريخية الأحسائية بالمعنى الأنثروبولوجي للمصدر ,على الرغم ما يوجد في واحتها من أصوات شعرية متراكمة .وما أعنيه بالمصدر الرافد للهوية , هو ما نجده من مفردات اجتماعية وثقافية منظورا إليها من داخل الشعر نفسه, دون أن يغلب عليها التوظيف الأيديولوجي, أو الإنحجاب وراء ســـتار الملفوظ الســـــطحي للمفردة .أما من جانب آخر لا تكفُّ الأحســـــاء من إعطاء أبنائها تاريخا, تشكل الطبيعة الشعرية النابض الأكبر لحركته ومســـاره, سواء كان ذلك في السلوك أو في الوعي أو في التفكير بالخصوص. وهذه طاقة أخصابية هائلة.بمعنى آخر أن التجربة الشعرية لم تأخذ على عاتقها الذهاب بعيدا بما يكفي, كي تعمل على تحويل هذا التاريخ الخام والجاهز إلــى حالات شعرية, قادرة بالتالي على تأسيس ما نسـميه بالخـــصوصــية والفرادة أيــــضا .لكن ينبغي أن لا نغفل أن ثمة تجارب أحسائية , حاولت أو كادت أن تقترب من هذا الأفق التجريبي, وأن تستدعي- لذلك- لغة شعرية مدبوغة برائحة التاريخ , وموشومة بالحــــــياة الاجتماعية الأحسائية . ولكنْ ما يعوزها جميعا, هو فــــهم الشعر لا بوصــفه تراثا متأصــلا في الذاكرة الشعرية العــــربية فقط, وإنما بوصــفه تأويلا مســــتمرا للوجـــــود والحـــــياة والكائن.تأسيســــا على ما سبق قوله حول هذا الأفق التجريبي, فإنــه إذا ما أردنا أن نفتح قارورة التجارب الشعرية , وأن نضع إحــــداها على الطاولة, للتأمــل والمســــاءلة , فإن تجربة الشاعر ناجـــي الحرز جديرة بذلك تماما, بل إنها تنفتح أكثر من غــــــيرها على ما أسميناه سابقا بــ( المصــدر الرافد للهوية ) وقد يبدو للوهلة الأولى أن الارتهان إلى الفضاء الشعري للـتجربة لأجل البحث عن بعض الدلالات الشعرية, التي تقترب من وجهة النظر السابقة , ربما تفضي بالمقاربة إلى حافة الهاوية, وبالتالي تجعل الوعي النقدي أســـير افتراضاته المسقطة عـــــلى النــــص لذلك تلزمنا أســـــــئلة مفصــــلية,ُّ تعيــــدنا إلــــى قلب التجربة طـــالما أردنا أن نمســـك بأيــدينا جـــميع الدلالات التي تستدعي المعنى الشعري , وتؤثر في مقولاته وجمالياته.والأســـــئلة هـــــي: لمـــاذا تجربــة ناجـــــي الحرز بالتحــديد؟ أزعـــم أن العناصر الأساسية الـــتي تعطـــي تجربة ناجـــي- منذ باكورة أعــــماله ( نشيد ونشيج ) إلى آخرها (قــــصائد ضاحكة)- قـــيمتها الشعرية المتألقة , لـــيس فيما تســـــــتـــثــيره لـــدى المتلقي من متـــخيل بلاغــــي مبتكر , أو فيما تــــقدمه للقارئ من لغة شــــعرية ذات حســــاســـية فــــنية عالــــية , أو فـــيما تنــــطوي علــيه من ( أنــا ) شــاعرة , تتـــــمثل مــــوروثـــها العــقائـــدي والأدبــي على أكـــمل وجـــه, لا , لــــيس ذلــك ما يرســم التجربة في أفق الإبداع , إنـــما تكــمن تلك العــناصر فــي القدرة البارعــة الــتي يظـــهرها الشاعر فــــي عــملية التـــوظيف التـــقني والأســلوبــي , فـــنحن – بالطــبع – نــعلم:أولا : أن لغة الوصــف الســردي- القصصي , هـــي الأكثــــر هـــيمنة علــــى تجــــــربة الشـــاعر , ولكن ما لا نـــــعلمـــه- ثانيا- : أن هــذه اللغـــة , عــــــنده , لم تــــصطدم بــــحائــط النمطـــية والتقليد الموروث , بل قـــفزت عــليه بفعل الإزاحات... تلك الإزاحات التي مكنت الشاعر من فرض تــصوره الخاص عن تلك اللغــة , وأعطــــته تفـــوقا على لغـــة الوصف الموروثة ذاتـــها, ما مــــعنى ذلك ....!؟ مــــعناه : إن تحويل العـــناصر الأولــــية للـــحدث على يد الشاعر إلى حالة شعرية في قصيدة ما لا يتـــوقف عـــند الصيـــاغات اللغــوية الجاهزة , وإنما تعدته إلـــــي ابتكار سردي , يخصُّ الشاعر وحـــده , ويضـــفي عــليه من روحه , ومن واقعيته , الشيء الكثـــيــر. ويـــمكن أن نـــدلل علــــى ذلك بـــنماذج شـــعرية من ديوانــه ( قصـــائد ضاحــكة ) لأنــها- كمـــــا يبــدو- الأكثر تـــــعبيراعـــمّا يــضمره الوصــف الســردي-القصصي من إمكانيـــات, تتـــيح للشــاعر بعض الخصــوصية والتـــــفرد. ففي قصـــيدة( ارحــــمونا ) يقـــــول :==1==ليتــــــهم أبقوا هنــــــا في==0====0==هـــجر بعض الســــوانيلربطنـــــاك بـــــإحداهـن==0====0==مثــــــــــل الحيــــــــوانووجدنـــا لك شــــــغلا==0====0==بين بغــــــل وحصــــان==2== وكــــذلك فـــي قصــــيدة ( شمشون الخــكارة ) يــــقول فيــــــها:==1==فقـــــد اســـــتحدث أمــــرا==0====0==وادّعــى فيه الشـــطارهفاشـــــترى للبــــاب قفــــلا==0====0==باب مرحـاض القذارهخائفا أن ينــــــهب النــــاس==0====0==من الكـــوع ادّخـــــارهقلت: يا هـــــــذا رويـــــدا==0====0==ملت عن خط الشطــارهإن من يدخـــــل يعطيــــك==0====0==فــــــلا تخـــش الخساره==2== وأيضـــــا تُضــــاف إلى هــذه الشــــواهــد قصيــــدة(فرصــة):==1==لمحت بوكـــي فقــــــــالت:==0====0==هـــــــذه والله فرصـــــةكيف لا ألطــــش لي مــن==0====0==هــــــذه الرصــات رصة وهـــــو لا يدفــــع فلســــا==0====0==واحــــــدا إلا بخبصــــــةأترانــــــي لنويجـــــــــي==0====0==الحرز أصبحت مقصــــة؟==2== ويمكن أن نضـــع في نفس السياق القصائد التالية: عتــــاب... وعيــد السُكنــــى.... وكمبيالة... وأخـــيرا تغريز. وبشيء من التأمل , يتضح مدى الخيــط الرابط بين هــذه القصائد بسبب أولا: منظور القصيدة, أيّ تلك الرؤية التي يتكئ عليــــها الشاعر في تركيب أجزاء نصه , وهــي رؤية لا يســـتعيرها من الخارج مطلقا, وإنما تنبعث من الداخل, الأمـــر الذي يقود- ثانيا- : إلى إضفاء الحمولة الثقافية ذات البعد الخصوصي على المفــردة داخــــل القصــيدة. فكلمات من قبيل : ( السواني, الكوع,كمبيالة, ألطش, مصفوق, تغريز.... الخ) هـــي بمثـــابة مقولات جمالية, أكبر بكثير مما تقوله القصيدة نفسها, ورغم بساطة صـــــورهــا الشعرية, وانتفاء الصياغة البلاغــية المعقّدة إلا أنهـــا تأتــــي مفصــــــلة علـــــى قـــــدر قامـــــة الفرد الأحســـــائي بالمعنى الثقافي والاجتماعي, وهنـــــا مربط الفرس كما يقال, إذ يبــــدو وكأن قصيدته , تكشفُ النقاب عن بعض المظاهر الحيـــــاتية في الأحساء, بحيث يصبح هــذا الكشف- فيما بعد- تاريخا شــعريا, يؤسس ولو على استحياء ما أســــميناه بـ(المصدر الرافد للهوية).Mohmed_z@hotmail.com