حسن السبع

حسن السبع

«منىً إنْ تكنْ حقَّاً تكنْ أعذبَ المنى / وإلاّ فقد عِشْنا بها زمناً رغدا»! هذا شاعر يعيش في ظل كذبة جميلة. وهو، حسب ظنه، لم يخسر شيئا، ما دام الأمل قد ملأ حياته سعادة. بما تحمل عبارة «الزمن الرغد» من مضامين مبهجة كالأمل والفرح والحركة والنور. وشتان بين نشيد الحياة الساحر الواعد بغد أجمل فوق الأرض و(ليس تحتها) وبين الموت العبثي. أو بين من (يعيش) في ظل كذبة جميلة، ومن (يموت) من أجل كذبة قاتلة هي وليدة انحراف في الإدراك والقدرة على الفهم. الأكاذيب القاتلة كثيرة، وعادة ما يكون ضحاياها من الأغرار الذين تلقفوها وصدقوها، وماتوا طواعية من أجلها، ومن الأبرياء الآمنين الذين ليس لهم في العير ولا في النفير. وحدهم صناع الأوهام المدمرة والمحرضون على العنف يحرصون على البقاء أحياء.وإذا كان الشعراء، كشاعرنا الذي عاش في رغد كذبته الجميلة، وكذلك نظراؤهم من العلماء والفلاسفة والفنانين قد تركوا آثارا ساهمت في رقي الحضارة الإنسانية، فأي أثر فكري أو علمي أو فني قد ترك محترفو العنف السابقون منهم واللاحقون؟ ليس سوى الموت. وشتان بينهم وبين من يموت من أجل تقدم المعارف أو علاج الأمراض «مثل هذا يخدم الحياة في الوقت نفسه الذي يموت فيه» كما يقول سانت اكزوبري.ما أشبه الليلة بالبارحة! ففي وقت كان الشاعر عمر الخيام يغني للحياة، ويضبط إيقاع رباعياته التي ترشح حكمة وجمالا، ويصرف ما يتبقى من الوقت مكبَّاً على أبحاثه ودراساته في الرياضيات وعلوم الفلك، عاملا على إصلاح التقويم الفارسي، أو منهمكا في تسجيل النتائج التي يصل إليها عن الأجرام السماوية مستعينا بمرصده الفلكي. وفي الوقت الذي كان الوزير السلجوقي نظام الملك ينشئ المدارس النظامية، ويقود مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كان مجايلهما الحسن الصباح يبث الرعب والموت من قلعته الشهيرة (آلَمُوت) Alamut بواسطة البيادق التي برمج أدمغتها لتأتمر بأمره، ولتذهب للموت طواعية من أجل كذبة قاتلة. ما أشبه الليلة بالبارحة! وللوقوف على وجه الشبه، يمكن الاستعانة برواية فلاديمير بارتول (قلعة أَلَمَوت). هنا يمكن أن نلاحظ كيف يؤدي كاتب الرواية التاريخية دور المؤرخ والفنان في الوقت نفسه. فهو يقرأ ما وراء الأحداث، ويستنبط دلالات الوقائع. كل شيء صامت وجامد وغائب عن الوجود حتى تلمحه عين الأدب السحرية، تلك العين التي تحيل كل ما تقع عليه إلى حياة مفعمة بالوجود مكتظة بالمعنى. العين التي ترى ما وراء الأشياء، وتستقرئ الحوادث والأرقام الصماء. بدون تلك اللمسة السحرية يغدو التاريخ مقبرة تزدحم بالمومياء، أو فترينـة لعرض القطع الأثريـة النادرة. في روايته تلك يحاول بارتول أن يسبر أغوار صاحب (عش النسر). كيف يفكر وهو يهندس أكاذيبه القاتلة، بل كيف يبرر مشروعه السياسي القائم على خداع أولئك الشباب الأغرار. يخاطب الحسن الصباح أحد أعوانه المقربين إليه قائلا: «أنت يا بوزروك أوميد ترتاع من الخديعة التي أجرُّ إليها هؤلاء الفدائيين، وتنسى في الوقت نفسه، أننا في كل يوم ضحايا وَهْم حواسنا (...) نحن مجبرون على اختلاق أكذوبة رائعة لأجلهم». هكذا تبرر الغايةُ الوسيلةَ، فيصنع أكذوبة يصفها بـ (الرائعة)، مع أن (مروّعة) هو الوصف المناسب لتلك الأكذوبة.حين يقارن عمر الخيام نفسه بأمير القلعة يجد أنه لا شيء بينهما من أمور مشتركة، فالخيام محب للحياة ونقيضه محب للموت، وفي حين كان الخيام يردد: «أول دفتر المعاني الهوى/ وإنه بيت قصيد الشباب/ يا جاهلا معنى الهوى إنما/ معنى الحياة الحب والانجذاب»، كان نقيضه في (عش النسر) يتجاهل الحب والشعر والموسيقى والشمس، ويحتقر أجمل ما في الحياة، ويعد أتباعه بما لا يستطيع ضمانه لنفسه.ما أشبه الليلة بالبارحة! لكن الشبه ليس تاما. فقد كان دعاة العنف وبيادقه في تلك الأزمنة البعيدة أكثر انضباطا من نظرائهم في هذا العصر. يكفي صناع العنف في ذلك العصر اختلافا قدرتهم على التمييز بين الخصم وعابر السبيل، وبين المقاتل والخباز أو بائع العرقسوس، وبين الحشد العسكري وحشد يزف عريسا أو يشيع ميتا إلى مثواه الأخير.hsn_saba@hotmail.com