محمد العلي
غرابة هذا العنون نابعة من أنك - حرسك الله - تعرف الجن بصورة يعلوها ضباب الخوف .. فلا تعرف انهم مثل البشر، لهم كلاب وحمير وجمال، وينقسمون مثلنا.. منهم السيد والعبد.. ولكني لا اعرف - مثلك تماما - هل ما زالوا يستخدمون البغال والجمال في مواصلاتهم.. او انهم قد وصلتهم الحداثة، فأصبحت عندهم سيارات وطائرات.. واصبحت الخيول عندهم، كما عندنا، للزينة فقط، كما يقول الشاعر الرائع امل دنقل.انت لا تحتاج الى قراءة (رسالة الغفران) حتى تعرف مستوى الثقافة الجنّية.. يكفيك ان العرب الاقحاح اطلقوا على الشعراء (الإنس) هذا اللقب: (كلاب الجن) اي ان شعراء المعلقات التي (ألهت بني يعرب عن كل مكرمة) هؤلاء الشعراء ليسوا غير كلاب للجن.. نعم مجرد كلاب.غير ان المشكلة ليست هنا.. المشكلة ان لهجة الكلاب لها دلالة واحدة في كل زمان ومكان .. اما الشعراء فهم مختلفون، فنباح الشاعر الجاهلي يختلف دلالة وموسقة عن الشاعر العباسي، وهكذا.. فكيف للسامع ان يفرق بين كلب قديم وكلب حديث ؟هذه هي المشكلة (ولكن الله سلّم) .. كما يقول عادل امام، فقد قيض لهذه المشكلة ثلة من المفكرين يسمونهم (النقاد) .. هؤلاء - أزادهم الله من نعمـه - تكفلوا بوضع موازين للتفرقة بين صوت وصوت.. ومن لا يصل منهم سباحة يتخذ زورقا اسكتلنديا للعبور الى ضفة التمييز بين سائر النباحات.قرأت في كتاب (معجم الكلاب) للزنزني ان الشاعرين الصمصام بن سهم والاجدع الضبي، تجادلا في اي منهما اجمل شعرا من الآخر، وحسما للجدل بينهما ذهبا الى خيمة الشاعر حباب بن الاصفر.. فطلب منهما قراءة بعض اشعارهما.. فتقدم الصمصام بن سهم منشدا :==1==نحن قوم لنا القليب إذا ما==0== ==0== كان صفوا وغيرنا للوحولوإذا حنت السيوف الى==0== ==0== الاعناق فازت سيوفنا بالوصول==2==وحين أكمل قصيدته بدأ الأجدع الضبي قائلا:==1==نحن قوم لنا الجمال الذي يومض==0== ==0== في كل شيء جميلالنخيلات تحتها للنهيرات==0== ==0== خرير مموسق الدردبيل==2==وحين أكمل قراءة قصيدته، سأله حباب بن الاصفر : ما معنى (الدردبيل) فقال: الدردبيل هو اللحن في لغة الجني الذي يلهمني الشعر ويتخذ مني كلبا.. وهنا صفق حباب بيديه ورجليه، وقال: اذهب فأنت أشعر العرب.للعلم فإن الجني الذي يعود له صوت الاجدع الضبي من قبيلة عريقة تسمى (الحرافيش) وهي التي أخذ نجيب محفوظ اسمها لإحدى رواياته.. أما الفيلم الذي مثّل الرواية ، فقد أساء فهمها وشوّهها تشويه الذين كفروا .. ولا حول ولا قوة الا بالله.