كم نحتاج من الطاقة، والجهد لنتذكر أول يوم دراسي في حياتنا، هذه التجربة ربما تكون صعبة نوعا ما، لأنها ربما تأتي بعد زمن طويل تعطلت فيه كثير من المعارف، والحواس، والمهارات. ومع ذلك يبقى اليوم الأول بكل تفاصيله أيقونة مضيئة في ذاكرة المرء، تتوهج من سنوات الطفولة المبكرة، مرورا بسنوات الفتوة، والشباب، ثم الرجولة، وصولا إلى سنوات خريف العمر.
سأتحدث عن يوم الجمعة السابق على يوم أول سبت أذهب فيه للمدرسة، حيث رصدت بفرح في مغرب تلك الجمعة المغفور له بإذن الله والدي يوقف سيارته الحمراء الصغيرة من نوع شيفرولية كودين أمام باب المنزل، ويبدو من خلال زجاج النافذة ثوب أبيض معلق على مقبض اليد العلوي الخاص بمن يركب بجوار السائق، كانت احتفالية بهيجة إنزال الثوب من السيارة، وتعليقه في مكان بارز في غرفة النوم، غرفة نومنا جميعا، أبي، وأمي غفر الله لهما، وأنا معهما. وبعد وضع الثوب في مكانه، أخرج والدي علبة بلاستيكية بيضاء وفتحها لتكشف عن أزرار للأكمام «كبكات» فضية مربعة الشكل يبرز فوق سطحها المعدني فص زجاجي يتدرج لونه بين الأزرق الفاتح والفضي. الثوب وحضوره كان قصة، وتركيب الأزرار الفضية، قصة. والنوم في تلك الليلة كان قصة أخرى، وتبقى القصة الأهم الاستيقاظ صباح يوم السبت، فعلى غير العادة وكان الجو باردا قليلا، وهذه عادة العام الدراسي كان ينطلق عادة في فصل الشتاء، وأيام البرد، والمطر. أخذتني أمي وأنا نصف نائم ونصف مستيقظ إلى مكان الغسيل وبادرت بوضع وجهي على حافة المغسلة، وراحت تأخذ من الماء المتدفق من الصنبور بيدها اليمنى وهي تشكلها على هيئة وعاء وتسكب مع الفرك كل ذلك على وجهي الصغير، لن ولم أنسى برودة خواتم الفضة التي لامست وجهي والتي كانت تزين أصابع يدها اليمنى، ولن أنسى بقايا رائحة الحناء الذي يلون كفها بقوة، وكانت قد خضبتها قبل أيام مضت، المفيد أن انتهت عملية الغسيل، وتم ارتداء الثوب، وكانت المرة الأولى التي أتفحص فيها الفص البراق في الكبك، كنت أنظر بسعادة للفص في الكبك الأيمن، ثم أعود لأطيل النظر في فص الكبك الأيسر، وكأنني أفحص جودة هذه الجوهرة مثلما يفعل الصاغة المحترفون في أفلام التلفزيون.
كانت حقيبتي المدرسية جاهزة وبها دفتر من فئة العشرين ورقة المدون على غلافه من الخلف جدول الضرب الصغير، وجدول الضرب الكبير. وبراية، ومساحة مستطيلة من لونين أبيض لمعظم جسم المساحة وأخضر صغير يحتل الجزء العلوي منها، وكان للمساحة رائحة عطرة قوية لا تقاوم. مدت لي أمي فنجال الحليب بالزنجبيل والأعشاب الشعبية، فرفضت تناوله، بهزة خفيفة من رأسي، فقدمت لي صحنا فيه بيض بالطماطم، وقالت لي رحمها الله: - كل!
وتابعت، وكأنما تحذرني، وأنا صامت.
- وق كبدك، وراك يوم طويل.
- كنت صامتا لأنني لم أعرف بماذا أجيب، وكانت أقرب رغبة لي أن أرفض الخروج من المنزل، في هذا الصباح الباكر، وبهذه الهيئة. وفيما أنا شارد الذهن جاء صوت والدي من خارج الغرفة الدافئة، يحثني على الخروج، وميزت من كلامه قوله: - هذا أول يوم، وآخر يوم..
يقصد القيام بمهمة إيصالي إلى المدرسة بالسيارة، لأنه تأخر على عمله ليقوم بمهمة التوصيل.
لم أفكر في المسافة من غرفة النوم، والجلوس، إلى باب السيارة قبل ذلك اليوم، كانت مسافة طويلة، وخالية من الشغف، شغف الخروج من المنزل، والتنزه بالسيارة. المهم وعند باب المدرسة وكان هناك العديد من الطلاب والآباء، وبعض الأمهات عند باب المدرسة الخارجي مع أطفالهم، كان مشهدا مروعا لطفل في سنواته الست، كان يقضي أولى ساعات الصباح في الفراش، ويستيقظ في الغالب على صدى دعوات والدة حنون. نزلت من السيارة ولم أسمع من والدي قبل أن يغادر سوى قوله: - ادخل مع العيال، الله يوفقك، خلك رجال....
- وتحركت الكدين الحمراء بهدوء، وأنا أراقبها حتى اختفت في آخر الشارع وهي تنعطف تدريجيا إلى جهة اليسار. في هذه اللحظة شعرت بأنني أقف في الفراغ، ولم يقطع هذا الشعور بالهلع عندي سوى صوت صفارة من بعيد تنطلق من فم رجل يرتدي «بنطلون أسود، وجاكيت أزرق». وفهمت مع تكرار الرجل للصفير أنه ينادي الجميع للاقتراب منه والتحلق حوله. الأطفال، والآباء، في حين بقيت بعض النسوة عند الباب الخارجي يراقبن المشهد من بعيد. تحلقت مع الجميع ولفتني بشدة الرجل الذي كان ينفخ في الصفارة بكل قوة، كان طويلا بصورة مبالغ فيها حتى أنني قارنت بين طوله، وطول السيد والدي، وميزت أنه أطول من أبي الذي كنت أعتقد أنه من أطول الرجال. وكانت له بشرة حمراء نبتت على خلفية بيضاء، بل شديدة البياض، وانضم إليه رجال آخرون، خرجوا من المبنى الكبير في الخلفية، وأخذ كل منهم ينادي بأسماء الواقفين من الصغار. وبعد أن ينتهي الواحد منهم من مناداة الأسماء وقد أخبروا من يسمع اسمه أن يؤشر لهم برفع يده، كانوا يأخذونهم بشكل قاطرة مهيبة إلى داخل المبنى الضخم المسمى المدرسة. كانت دعوات أبي لي بالتوفيق، وأمره لي قبل أن يغادر بأن أكون رجلا، وتفحصي للفص اللامع في أزرار ثوبي الجديد شغلي الشاغل حتى انتهى ذلك اليوم. عندما سمعت اسمي رفعت يدي. وسمعت الرجل الذي كان ينادي على الأسماء يقول لي وهو ينظر في وجهي: - تعال هون يا شاطر.
تحركت حيث أمرني، وانضممت إلى غيري من الطلاب وأنا أحمل حقيبتي التي تفوح منها رائحة المساحة، وكانت رفعة يدي تلك الأولى لي، ولم تك الأخيرة...
سأتحدث عن يوم الجمعة السابق على يوم أول سبت أذهب فيه للمدرسة، حيث رصدت بفرح في مغرب تلك الجمعة المغفور له بإذن الله والدي يوقف سيارته الحمراء الصغيرة من نوع شيفرولية كودين أمام باب المنزل، ويبدو من خلال زجاج النافذة ثوب أبيض معلق على مقبض اليد العلوي الخاص بمن يركب بجوار السائق، كانت احتفالية بهيجة إنزال الثوب من السيارة، وتعليقه في مكان بارز في غرفة النوم، غرفة نومنا جميعا، أبي، وأمي غفر الله لهما، وأنا معهما. وبعد وضع الثوب في مكانه، أخرج والدي علبة بلاستيكية بيضاء وفتحها لتكشف عن أزرار للأكمام «كبكات» فضية مربعة الشكل يبرز فوق سطحها المعدني فص زجاجي يتدرج لونه بين الأزرق الفاتح والفضي. الثوب وحضوره كان قصة، وتركيب الأزرار الفضية، قصة. والنوم في تلك الليلة كان قصة أخرى، وتبقى القصة الأهم الاستيقاظ صباح يوم السبت، فعلى غير العادة وكان الجو باردا قليلا، وهذه عادة العام الدراسي كان ينطلق عادة في فصل الشتاء، وأيام البرد، والمطر. أخذتني أمي وأنا نصف نائم ونصف مستيقظ إلى مكان الغسيل وبادرت بوضع وجهي على حافة المغسلة، وراحت تأخذ من الماء المتدفق من الصنبور بيدها اليمنى وهي تشكلها على هيئة وعاء وتسكب مع الفرك كل ذلك على وجهي الصغير، لن ولم أنسى برودة خواتم الفضة التي لامست وجهي والتي كانت تزين أصابع يدها اليمنى، ولن أنسى بقايا رائحة الحناء الذي يلون كفها بقوة، وكانت قد خضبتها قبل أيام مضت، المفيد أن انتهت عملية الغسيل، وتم ارتداء الثوب، وكانت المرة الأولى التي أتفحص فيها الفص البراق في الكبك، كنت أنظر بسعادة للفص في الكبك الأيمن، ثم أعود لأطيل النظر في فص الكبك الأيسر، وكأنني أفحص جودة هذه الجوهرة مثلما يفعل الصاغة المحترفون في أفلام التلفزيون.
كانت حقيبتي المدرسية جاهزة وبها دفتر من فئة العشرين ورقة المدون على غلافه من الخلف جدول الضرب الصغير، وجدول الضرب الكبير. وبراية، ومساحة مستطيلة من لونين أبيض لمعظم جسم المساحة وأخضر صغير يحتل الجزء العلوي منها، وكان للمساحة رائحة عطرة قوية لا تقاوم. مدت لي أمي فنجال الحليب بالزنجبيل والأعشاب الشعبية، فرفضت تناوله، بهزة خفيفة من رأسي، فقدمت لي صحنا فيه بيض بالطماطم، وقالت لي رحمها الله: - كل!
وتابعت، وكأنما تحذرني، وأنا صامت.
- وق كبدك، وراك يوم طويل.
- كنت صامتا لأنني لم أعرف بماذا أجيب، وكانت أقرب رغبة لي أن أرفض الخروج من المنزل، في هذا الصباح الباكر، وبهذه الهيئة. وفيما أنا شارد الذهن جاء صوت والدي من خارج الغرفة الدافئة، يحثني على الخروج، وميزت من كلامه قوله: - هذا أول يوم، وآخر يوم..
يقصد القيام بمهمة إيصالي إلى المدرسة بالسيارة، لأنه تأخر على عمله ليقوم بمهمة التوصيل.
لم أفكر في المسافة من غرفة النوم، والجلوس، إلى باب السيارة قبل ذلك اليوم، كانت مسافة طويلة، وخالية من الشغف، شغف الخروج من المنزل، والتنزه بالسيارة. المهم وعند باب المدرسة وكان هناك العديد من الطلاب والآباء، وبعض الأمهات عند باب المدرسة الخارجي مع أطفالهم، كان مشهدا مروعا لطفل في سنواته الست، كان يقضي أولى ساعات الصباح في الفراش، ويستيقظ في الغالب على صدى دعوات والدة حنون. نزلت من السيارة ولم أسمع من والدي قبل أن يغادر سوى قوله: - ادخل مع العيال، الله يوفقك، خلك رجال....
- وتحركت الكدين الحمراء بهدوء، وأنا أراقبها حتى اختفت في آخر الشارع وهي تنعطف تدريجيا إلى جهة اليسار. في هذه اللحظة شعرت بأنني أقف في الفراغ، ولم يقطع هذا الشعور بالهلع عندي سوى صوت صفارة من بعيد تنطلق من فم رجل يرتدي «بنطلون أسود، وجاكيت أزرق». وفهمت مع تكرار الرجل للصفير أنه ينادي الجميع للاقتراب منه والتحلق حوله. الأطفال، والآباء، في حين بقيت بعض النسوة عند الباب الخارجي يراقبن المشهد من بعيد. تحلقت مع الجميع ولفتني بشدة الرجل الذي كان ينفخ في الصفارة بكل قوة، كان طويلا بصورة مبالغ فيها حتى أنني قارنت بين طوله، وطول السيد والدي، وميزت أنه أطول من أبي الذي كنت أعتقد أنه من أطول الرجال. وكانت له بشرة حمراء نبتت على خلفية بيضاء، بل شديدة البياض، وانضم إليه رجال آخرون، خرجوا من المبنى الكبير في الخلفية، وأخذ كل منهم ينادي بأسماء الواقفين من الصغار. وبعد أن ينتهي الواحد منهم من مناداة الأسماء وقد أخبروا من يسمع اسمه أن يؤشر لهم برفع يده، كانوا يأخذونهم بشكل قاطرة مهيبة إلى داخل المبنى الضخم المسمى المدرسة. كانت دعوات أبي لي بالتوفيق، وأمره لي قبل أن يغادر بأن أكون رجلا، وتفحصي للفص اللامع في أزرار ثوبي الجديد شغلي الشاغل حتى انتهى ذلك اليوم. عندما سمعت اسمي رفعت يدي. وسمعت الرجل الذي كان ينادي على الأسماء يقول لي وهو ينظر في وجهي: - تعال هون يا شاطر.
تحركت حيث أمرني، وانضممت إلى غيري من الطلاب وأنا أحمل حقيبتي التي تفوح منها رائحة المساحة، وكانت رفعة يدي تلك الأولى لي، ولم تك الأخيرة...