د. محمد المصباح أمين مبادرة «التسامح والسلام المجتمعي»:
أشاد، أمين مبادرة «التسامح والسلام المجتمعي» السودانية، د. محمد المصباح، بقيادة المملكة لدورها الواضح في رفع اسم بلاده من القائمة الأمريكية للإرهاب، ودعمها للفترة الانتقالية، وقال: نحفظ للأشقاء، خاصة السعودية قيادة وشعبا وقفاتهم مع السودان.
وفي حديثه لـ«اليوم»، انتقد المصباح بعض القوى السودانية الحاكمة باسم الثورة، قائلا: إنها تعيق الفترة الانتقالية لانشغالها بالصراعات وتصفية الحسابات، كما سيضعف حظوظها أيضا في الانتخابات، لافتا في ذات الوقت إلى أن حركات الكفاح المسلح جاءت بعد توقيع «سلام جوبا» بعقول متفتحة تنشد وطنا آمنا ومستقرا ومتعايشا مجتمعيا.
وشدد على ضرورة دعم الجيش السوداني والوقوف خلفه في أي مواجهة مع إثيوبيا، واصفا ذلك بـ«الواجب الوطني»، وأكد أن القوات المسلحة تمثل رمز وعزة كل البلاد ومواطنيها، رافضا محاولات البعض الإساءة للجيش، وقال: أدعو الشعب السوداني للالتفاف حول قواتهم المسلحة الشريك الرئيس في الفترة الانتقالية.. فإلى نص الحوار:
إزالة السودان من القائمة الأمريكية للإرهاب، والانفتاح المتوقع بعد عزله.. كيف تقيّمون جهود الأشقاء؟
- هي فرصة تاريخية يعضدها توافقنا، ويفشلها تفرقنا وتشتتنا كسودانيين، وهنا أقول للأمانة يجب أن نحفظ للأشقاء، خاصة المملكة قيادة وشعبا وقفاتهم مع السودان ولن تكفينا أيام لنوفيهم حقهم، للعلاقات المتينة والأزلية التي تربط بين البلدين، فقد ظلت السعودية تساند بلادنا في جميع محنها وأزماتها، فالقيادة هناك منذ تأسيسها وصولا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان تضع إنسان السودان على رأس أولوياتها من باب المحبة المتبادلة، ومن ناحيتنا فالمملكة لها مكانتها «القدسية» في نفوس وقلوب السودانيين، وهنا نتقدم كـ «المبادرة» بالشكر لقيادة المملكة في إسهامها الفعال في رفع اسم بلادنا من القائمة الأمريكية، ولا يخفى على الجميع أن أمننا مشترك وكذلك مصلحة بلدينا وعلاقاتنا الاجتماعية، ما يحتم علينا مسار واحد يحفظ أمن واستقرار المنطقة وتحديدا البحر الأحمر، وليس سرا أن المملكة تكاد تكون الأكثر دعما للسودان في جميع مراحله وحكوماته، دون النظر لهدف يخصها أو يخدمها، فقط هدفها مصلحة الشعب السوداني، وأتقدم لهم شاكرا دعمهم ووقوفهم بجانبنا، ولا ننسى سعادة السفير علي بن حسن جعفر، وكم أسعدني خبر تماثله للشفاء من الإصابة بكورونا، وقد شاركنا سابقا في فعاليات «يوم التسامح العالمي» ونحسبه رصيدا مهما ومصدر فخر لنا، بجانب الأشقاء سفراء دول مصر والإمارات العربية المتحدة وكينيا، وهذا يؤكد وقوفهم مع السودان بالحفاظ على وحدته المبنية على قيم العدالة والتسامح والتوافق الوطني، ولنا معهم بإذن الله محطات قادمة لما يمثلونه كما أسلفت من رصيد ودعم لمبادرتنا.
سفير المملكة ودبلوماسيون بعد توقيع «الانتقالية» والحركات على اتفاق جوبا للسلام (اليوم)
المشهد السياسي السوداني معقد، ماذا حققت «المبادرة» حزبيا ومجتمعيا، وهل حلحلت بعض تلك التعقيدات؟
- استهدفنا فئات المجتمع السوداني بجمعهم حول هدف إستراتيجي للبلاد، بغض النظر إن تحقق كاملا أو بصورة جزئية، ودليل على ذلك التفاف أطياف واسعة من القوى السياسية والمجتمعية، حتى وصلنا إلى 34 قطاعا و17 كيانا مجتمعيا، ما دعانا إلى إقرار «الميثاق الوطني» باعتبار ما يوفره من حد أدنى لتحقيق العدالة الانتقالية وإنشاء آلية للتوافق الوطني يشارك فيها كل السودانيين، والحمد لله وقّعت على الوثيقة أحزاب رئيسية في البلاد، أبرزها، الأمة القومي والاتحادي الأصل، والمؤتمر الشعبي والجبهة الثورية الموقّعة على سلام جوبا، الذي نعتبر توقيعها على الوثيقة الوطنية هو نقطة تحول كبيرة لصالح «المبادرة»، وأيضا هناك حزب البعث السوداني، وعلى مستوى الجهات الرسمية، مجمع الفقه الإسلامي، وهناك 4 تيارات انضمت لـ «المبادرة»، ولدينا توقيعات قادمة مع أطراف بالجبهة الثورية وأحزاب يسارية، كما نتباحث الآن مع كيانات بشرق وشمال السودان للانضمام وقطعنا شوطا كبيرا نحو الوصول إلى ذلك.
هل «المبادرة» ستعمل وفقا للأسماء الرنانة للأحزاب وتاريخية بعضها؟
- هي ليست قضية أسماء بقدر ما هي مسألة «قناعات»، فالكل الآن مؤمن بأن الأفق مسدود، ولابد من حل واختراق جديد، وأعتقد تماما في أن هذا الاختراق الجديد سيكون «مبادرة التسامح والسلام المجتمعي».
هناك اتهامات في الشارع لـ «الانتقالية»، بسوء إدارة البلاد، بسبب خلافات الشريكين والتشاكس المتواصل في بعض الملفات، ما هي جهود «المبادرة» مع مكوني الحكومة؟
- جلسنا مع عدد كبير من الأعضاء بالمكونين، وللأمانة هناك توافق، وكما ذكرت لك سابقا، هناك اقتناع من الجميع بأن الأفق الآن مسدود تماما، لا حل إلا التوافق والتسامح والعدالة الانتقالية، وهي نقطة مهمة للغاية، ولا يخفى لأي متابع للشأن السوداني، أن هناك قوى خفية بأبعاد داخلية وخارجية تعمل وفقا لمصالح ذاتية وليست وطنية.
مقاطعا.. إذن ما هو هدفها تحديدا تلك القوى التي قلت إنها داخلية وخارجية؟
- استبعد أنها «أيدلوجية» في الوقت الحالي؛ لأن الثورة عندما اشتعلت كانت من أجل حياة كريمة، وفقدان حقوق أساسية، وقامت من أجل رد الظلم، وهذا ساعد على نجاحها، واختزال الثورة في صراعات أيدلوجية لن يفضي إلى تمريرها، فالشعب السوداني واع، وشباب لجان المقاومة على درجة عالية من الإدراك وما يدل على ذلك، تقدمهم الصفوف من أجل إيجاد معالجات للأزمات والصراعات، والعنصر الأساسي والمقوي والمحتضن لمبادرتنا هو «مركزية مقاومة كرري» إلى جانب لجان شرق النيل وأم درمان وأم بدة والخرطوم والعديد من المدن والمناطق، وبالعودة أقول لك إن أي أجندة إيدلوجية لن تجد لها مقاما بين هذه «القامات» في الظرف الراهن للسودان، وإن كانت، فـستفشل، لأن درجة الوعي والتماسك ستغلق الطريق أمامها، وفي رأيي أن الأجندة الأهم في هذا المنعطف، هي توافق السودان واستقراره لتنهض الدولة السودانية وتعمل على علاقات جوار وإقليمية ودولية طبيعة تحقق المصالح المشتركة، فالمنفعة المشتركة هي ما تقوم عليها أي سياسة خارجية، وبالطبع ستعم الفائدة إن كانت بين دول تنعم بالاستقرار لا بين دول تعاني من الحروب والأزمات والصراعات الداخلية.
برأيك كيف يمكن الوصول بالبلاد إلى بر الأمان بعد كل ما عانت وتعاني؟
- قبل سقوط حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني، وجهت رسالة موجودة ومتداولة على الوسائط، لرأس النظام ورئيسه، طالبته بتسليم الأمانة إلى أهلها كما دعوت الحزب الحاكم حينها بالخروج من الباب لتأمين استقرار البلاد، وكانت رسالتي أيضا موجهة للنخب السياسية، بألا تجعل من الوضع الانتقالي إذا سقط النظام، فترة انتقام، والأجدى أن تعمل عليها من باب العدالة والتوافق، ولكن للأسف القوى السياسية لم تعمل على ذلك، وهنا أنا أعتبره فشلا للممارسة باسم الثورة، وهذا يجب أن يصحح، وما زالت هناك فرصة إن كانت عبر مبادرتنا أو أي طرق أخرى لتعديل المسار، بصناعة رؤية وطنية تقوم على احترام العدالة ومبادئ الثورة بين جميع المكونات، ولا نحتكرها في وجوه معينة أو قوى يمينية أو يسارية، فهي أمام سانحة تاريخية ومفصلية لبناء نفسها من أجل الانتخابات، فإشغال نفسها بالصراعات وتصفية الحسابات سيضعف حظوظها وقتئذ، وأيضا يعوق الفترة الانتقالية.
حركات الكفاح، جاءت بعقول متفتحة وأيد ممدودة لتحقيق أهداف مشتركة مع جميع القوى تنتهي بوطن أمن متعايش سلميا ومجتمعيا، ونحسبه تقدما كبيرا في فهمهم الواقع السوداني، بعد رفعهم سابقا السلاح، ومشاركتهم الأساسية بالثورة، ومن هنا أطالبهم بتعضيد تلك المفاهيم على مستوى قواعدهم العسكرية، لأن هناك بعض المرارات والمظالم التي ما زالت عالقة بالنفوس من الماضي أثناء مواجهتهم العسكرية مع النظام السابق وتكثيف الدعوة من الداخل لجميع الحركات المسلحة ما ينعكس بالتأكيد إيجابا على المشهد السياسي.
كان لكم زيارة ميدانية لمناطق السودان المتأزمة كيف كانت النتائج؟
- بدأنا زيارات ولائية، وبالنسبة لدارفور كانت هناك ملتقيات حقيقية وجلسنا مع المعنيين بالأمر وأولها قطاع نازحين، ثم بعد ذلك الإدارات الأهلية وحركات الكفاح المسلح وتوصلنا لتفاهمات، ووضع عدد من الأكاديميين والمختصين وعلى رأسهم رئيس «المبادرة» البروفيسور محمد حسين أبو صالح، بعض الرؤي العلاجية لمناطق تعرضت إن كان لظلم أو أي إشكالات سابقة، وسيكون أول انعقاد للمؤتمر على مستوى إقليم دارفور وذلك في مارس المقبل كحد أقصى، وبعده؛ هناك مؤتمرات خاصة بالشرق والنيل الأزرق وكردفان، وستختم بمؤتمر جامع في الخرطوم، تحت مسمى «مؤتمر تسامح أهل السودان»، ولدينا أيضا تحركات مع الإدارات الأهلية ومشايخ الطرق الصوفية بالسودان، وللأمانة منطقة الشرق هي كانت الأولى في زياراتنا لمناطق مشتعلة وساعون لحلها تحت جناح «المبادرة»، لاعتقادنا أن تمددها قد يؤثر سلبا اقتصاديا واجتماعيا على ثغرنا الحبيب ومتنفسنا بالبحر الأحمر، وبطبيعة الحال يؤثر على المنطقة عموما.
لماذا البعض صوب سهامه لجيش السودان في مواجهته العدوان الإثيوبي على سيادة البلاد؟
- دعم الجيش السوداني والوقوف خلفه، واجب وطني لا شك فيه أو مزايدة، ومن بين بنود «المبادرة» إنزال قيم التسامح، ونزع خطاب الكراهية، والهجوم على المؤسسات أجندة لا نعلم مصدرها أو غاياتها، وهي نغمة سيئة جدا ومن الأشياء السلبية التي كادت في وقت ما أن تنسف وتؤدي لانهيار منظومة الدولة، ومن المعروف أن القوات المسلحة من أهم مؤسسات جميع الدول، وهي رمز وعزة كل البلاد ومواطنيها، وفي حال لم نلتف حولها لن يحدث أي استقرار في السودان، ولن تتبعه تنمية، فلا تنمية دون استقرار ولا استقرار إلا بوجود جيش قوي، ونحن في «المبادرة» نجدد وقوفنا خلف القوات المسلحة كما أعلنا من قبل عند بداية الأزمة مع إثيوبيا، من باب المبدأ الوطني، وندعو كل السودانيين مجتمعيا وسياسيا وشبابيا للالتفاف حول «الجيش» الشريك الرئيس في الفترة الانتقالية.
فئات عمرية مختلفة شاركت في الثورة السودانية التي اقتلعت نظام البشير (اليوم)
حاول البعض «شيطنة» الإمام الصادق المهدي زعيم الأنصار ورئيس حزب الأمة القومي -رحمه الله- قبل وفاته، وتصويره للشارع بأنه وحزبه خصم على الثورة والحكومة الانتقالية؟!
- الإمام الصادق كان رصيدا إضافيا للثورة، والسعي لتصويره بعكس ذلك، لأسلوبه الذي يختلف عن الجميع، وهو ما اكتسبه من خلال عمره الطويل في الحياة السياسية ونشأته عليه بطبيعة الحال، وهذا شبعه بالخبرة والحكمة والدراية والقراءة وهي ما يفتقده كثيرون، وفي رأيي أن زيادة خطابات الكراهية بعد الثورة كانت مقصودة بغرض تحقيق أجندة سياسية، وتصاعد روح الكراهية من بعض الجهات كان معروفا لتحقيق مكاسب حزبية انعكست سلبا على مجتمعنا المتسامح، وما يحدث الآن يظهر الوعي الكبير الذي انتظم المشهد العام، محاصرا خطابات الفتنة عبر اقتناع الشارع بأنها لن تحقق مطالبه من شعار أساسي التفوا حوله وهو «عدالة وحرية وسلام»، فكل مَنْ أجرم وارتكب ذنبا في حق البلد، لابد أن يحاكم ويأخذ القانون مجراه، ويجب أن ننتبه بأن الناس لا يحاكمون على أفكارهم، بل على أفعالهم.
تقوم «المبادرة» في سياق أهدافها على العدالة، ماذا عن المعتقلين من النظام السابق وهم يقبعون داخل السجون دون محاكمات؟
- نحن ننادي بإرساء قيم العدالة للجميع، بغض النظر عن المذنبين داخل السجن أو خارجه، فمن الأجدى محاكمتهم لارتكابهم أخطاء بحق الشعب السوداني، وهناك أيضا مَنْ ارتكب أخطاء وهو في حكومة الثورة، والقانون يجب أن يشاع على الكل، ولن تتقدم الأمم إلا إذا طبق القانون على القوي والضعيف وعلى الكبير والصغير دون مراعاة لأي اعتبارات كانت سياسية أو اجتماعية، هذا أولا، ثانيا، تصفية الحسابات في الوقت الحالي لن تقدم السودان أو تفيد أهله، بل عكس ذلك تماما، مضيعة للبلد وللوقت، فيجب تقديم مصلحة الوطن على ما يخصنا، فإذا استمر مسلسل تصفية الحسابات، فسيأتي يوم تتغير فيه المعادلة ويكون الطرف الضعيف الآن ذا سطوة وأكثر قسوة في معاملة مَنْ يظن أنه يظلم الآن، لهذا يجب أن تتوقف هذه المهاترات التي لم تقدم بلادنا منذ استقلالها وحتى اللحظة.
ما الدعم الذي وفرته لكم مؤسسات الدولة المختلفة كـ «المبادرة» حققت الكثير على الأرض؟
- ليس هناك جهة لم تقدم الدعم لـ«مبادرة التسامح والسلام المجتمعي»، إلى جانب ذلك فالدعم الفكري وبالتأييد ومشاركة الرؤى الذي نراه هو الأهم؛ ونحسبه كبيرا جدا، الفريق أول عبدالفتاح البرهان سبق الآخرين، ولكن كل البلد الآن تدعمنا، وفي رأيي توفير أرضية للتحرك ونشر مبادئك وأهدافك وغاياتها، هو دعم غير محدود من السلطة التنفيذية، إن كانت وزارية أو حزبية أو سيادية، ويكفي أن عضو المجلس السيادي من المكون المدني الذي يمثل الواجهة الثورية، مولانا حسن شيخ إدريس، شاركنا وخاطب فعالياتنا التي أقيمت في نوفمبر الماضي بمناسبة اليوم العالمي للتسامح.
وفي حديثه لـ«اليوم»، انتقد المصباح بعض القوى السودانية الحاكمة باسم الثورة، قائلا: إنها تعيق الفترة الانتقالية لانشغالها بالصراعات وتصفية الحسابات، كما سيضعف حظوظها أيضا في الانتخابات، لافتا في ذات الوقت إلى أن حركات الكفاح المسلح جاءت بعد توقيع «سلام جوبا» بعقول متفتحة تنشد وطنا آمنا ومستقرا ومتعايشا مجتمعيا.
وشدد على ضرورة دعم الجيش السوداني والوقوف خلفه في أي مواجهة مع إثيوبيا، واصفا ذلك بـ«الواجب الوطني»، وأكد أن القوات المسلحة تمثل رمز وعزة كل البلاد ومواطنيها، رافضا محاولات البعض الإساءة للجيش، وقال: أدعو الشعب السوداني للالتفاف حول قواتهم المسلحة الشريك الرئيس في الفترة الانتقالية.. فإلى نص الحوار:
إزالة السودان من القائمة الأمريكية للإرهاب، والانفتاح المتوقع بعد عزله.. كيف تقيّمون جهود الأشقاء؟
- هي فرصة تاريخية يعضدها توافقنا، ويفشلها تفرقنا وتشتتنا كسودانيين، وهنا أقول للأمانة يجب أن نحفظ للأشقاء، خاصة المملكة قيادة وشعبا وقفاتهم مع السودان ولن تكفينا أيام لنوفيهم حقهم، للعلاقات المتينة والأزلية التي تربط بين البلدين، فقد ظلت السعودية تساند بلادنا في جميع محنها وأزماتها، فالقيادة هناك منذ تأسيسها وصولا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان تضع إنسان السودان على رأس أولوياتها من باب المحبة المتبادلة، ومن ناحيتنا فالمملكة لها مكانتها «القدسية» في نفوس وقلوب السودانيين، وهنا نتقدم كـ «المبادرة» بالشكر لقيادة المملكة في إسهامها الفعال في رفع اسم بلادنا من القائمة الأمريكية، ولا يخفى على الجميع أن أمننا مشترك وكذلك مصلحة بلدينا وعلاقاتنا الاجتماعية، ما يحتم علينا مسار واحد يحفظ أمن واستقرار المنطقة وتحديدا البحر الأحمر، وليس سرا أن المملكة تكاد تكون الأكثر دعما للسودان في جميع مراحله وحكوماته، دون النظر لهدف يخصها أو يخدمها، فقط هدفها مصلحة الشعب السوداني، وأتقدم لهم شاكرا دعمهم ووقوفهم بجانبنا، ولا ننسى سعادة السفير علي بن حسن جعفر، وكم أسعدني خبر تماثله للشفاء من الإصابة بكورونا، وقد شاركنا سابقا في فعاليات «يوم التسامح العالمي» ونحسبه رصيدا مهما ومصدر فخر لنا، بجانب الأشقاء سفراء دول مصر والإمارات العربية المتحدة وكينيا، وهذا يؤكد وقوفهم مع السودان بالحفاظ على وحدته المبنية على قيم العدالة والتسامح والتوافق الوطني، ولنا معهم بإذن الله محطات قادمة لما يمثلونه كما أسلفت من رصيد ودعم لمبادرتنا.
المشهد السياسي السوداني معقد، ماذا حققت «المبادرة» حزبيا ومجتمعيا، وهل حلحلت بعض تلك التعقيدات؟
- استهدفنا فئات المجتمع السوداني بجمعهم حول هدف إستراتيجي للبلاد، بغض النظر إن تحقق كاملا أو بصورة جزئية، ودليل على ذلك التفاف أطياف واسعة من القوى السياسية والمجتمعية، حتى وصلنا إلى 34 قطاعا و17 كيانا مجتمعيا، ما دعانا إلى إقرار «الميثاق الوطني» باعتبار ما يوفره من حد أدنى لتحقيق العدالة الانتقالية وإنشاء آلية للتوافق الوطني يشارك فيها كل السودانيين، والحمد لله وقّعت على الوثيقة أحزاب رئيسية في البلاد، أبرزها، الأمة القومي والاتحادي الأصل، والمؤتمر الشعبي والجبهة الثورية الموقّعة على سلام جوبا، الذي نعتبر توقيعها على الوثيقة الوطنية هو نقطة تحول كبيرة لصالح «المبادرة»، وأيضا هناك حزب البعث السوداني، وعلى مستوى الجهات الرسمية، مجمع الفقه الإسلامي، وهناك 4 تيارات انضمت لـ «المبادرة»، ولدينا توقيعات قادمة مع أطراف بالجبهة الثورية وأحزاب يسارية، كما نتباحث الآن مع كيانات بشرق وشمال السودان للانضمام وقطعنا شوطا كبيرا نحو الوصول إلى ذلك.
هل «المبادرة» ستعمل وفقا للأسماء الرنانة للأحزاب وتاريخية بعضها؟
- هي ليست قضية أسماء بقدر ما هي مسألة «قناعات»، فالكل الآن مؤمن بأن الأفق مسدود، ولابد من حل واختراق جديد، وأعتقد تماما في أن هذا الاختراق الجديد سيكون «مبادرة التسامح والسلام المجتمعي».
هناك اتهامات في الشارع لـ «الانتقالية»، بسوء إدارة البلاد، بسبب خلافات الشريكين والتشاكس المتواصل في بعض الملفات، ما هي جهود «المبادرة» مع مكوني الحكومة؟
- جلسنا مع عدد كبير من الأعضاء بالمكونين، وللأمانة هناك توافق، وكما ذكرت لك سابقا، هناك اقتناع من الجميع بأن الأفق الآن مسدود تماما، لا حل إلا التوافق والتسامح والعدالة الانتقالية، وهي نقطة مهمة للغاية، ولا يخفى لأي متابع للشأن السوداني، أن هناك قوى خفية بأبعاد داخلية وخارجية تعمل وفقا لمصالح ذاتية وليست وطنية.
مقاطعا.. إذن ما هو هدفها تحديدا تلك القوى التي قلت إنها داخلية وخارجية؟
- استبعد أنها «أيدلوجية» في الوقت الحالي؛ لأن الثورة عندما اشتعلت كانت من أجل حياة كريمة، وفقدان حقوق أساسية، وقامت من أجل رد الظلم، وهذا ساعد على نجاحها، واختزال الثورة في صراعات أيدلوجية لن يفضي إلى تمريرها، فالشعب السوداني واع، وشباب لجان المقاومة على درجة عالية من الإدراك وما يدل على ذلك، تقدمهم الصفوف من أجل إيجاد معالجات للأزمات والصراعات، والعنصر الأساسي والمقوي والمحتضن لمبادرتنا هو «مركزية مقاومة كرري» إلى جانب لجان شرق النيل وأم درمان وأم بدة والخرطوم والعديد من المدن والمناطق، وبالعودة أقول لك إن أي أجندة إيدلوجية لن تجد لها مقاما بين هذه «القامات» في الظرف الراهن للسودان، وإن كانت، فـستفشل، لأن درجة الوعي والتماسك ستغلق الطريق أمامها، وفي رأيي أن الأجندة الأهم في هذا المنعطف، هي توافق السودان واستقراره لتنهض الدولة السودانية وتعمل على علاقات جوار وإقليمية ودولية طبيعة تحقق المصالح المشتركة، فالمنفعة المشتركة هي ما تقوم عليها أي سياسة خارجية، وبالطبع ستعم الفائدة إن كانت بين دول تنعم بالاستقرار لا بين دول تعاني من الحروب والأزمات والصراعات الداخلية.
برأيك كيف يمكن الوصول بالبلاد إلى بر الأمان بعد كل ما عانت وتعاني؟
- قبل سقوط حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني، وجهت رسالة موجودة ومتداولة على الوسائط، لرأس النظام ورئيسه، طالبته بتسليم الأمانة إلى أهلها كما دعوت الحزب الحاكم حينها بالخروج من الباب لتأمين استقرار البلاد، وكانت رسالتي أيضا موجهة للنخب السياسية، بألا تجعل من الوضع الانتقالي إذا سقط النظام، فترة انتقام، والأجدى أن تعمل عليها من باب العدالة والتوافق، ولكن للأسف القوى السياسية لم تعمل على ذلك، وهنا أنا أعتبره فشلا للممارسة باسم الثورة، وهذا يجب أن يصحح، وما زالت هناك فرصة إن كانت عبر مبادرتنا أو أي طرق أخرى لتعديل المسار، بصناعة رؤية وطنية تقوم على احترام العدالة ومبادئ الثورة بين جميع المكونات، ولا نحتكرها في وجوه معينة أو قوى يمينية أو يسارية، فهي أمام سانحة تاريخية ومفصلية لبناء نفسها من أجل الانتخابات، فإشغال نفسها بالصراعات وتصفية الحسابات سيضعف حظوظها وقتئذ، وأيضا يعوق الفترة الانتقالية.
حركات الكفاح، جاءت بعقول متفتحة وأيد ممدودة لتحقيق أهداف مشتركة مع جميع القوى تنتهي بوطن أمن متعايش سلميا ومجتمعيا، ونحسبه تقدما كبيرا في فهمهم الواقع السوداني، بعد رفعهم سابقا السلاح، ومشاركتهم الأساسية بالثورة، ومن هنا أطالبهم بتعضيد تلك المفاهيم على مستوى قواعدهم العسكرية، لأن هناك بعض المرارات والمظالم التي ما زالت عالقة بالنفوس من الماضي أثناء مواجهتهم العسكرية مع النظام السابق وتكثيف الدعوة من الداخل لجميع الحركات المسلحة ما ينعكس بالتأكيد إيجابا على المشهد السياسي.
كان لكم زيارة ميدانية لمناطق السودان المتأزمة كيف كانت النتائج؟
- بدأنا زيارات ولائية، وبالنسبة لدارفور كانت هناك ملتقيات حقيقية وجلسنا مع المعنيين بالأمر وأولها قطاع نازحين، ثم بعد ذلك الإدارات الأهلية وحركات الكفاح المسلح وتوصلنا لتفاهمات، ووضع عدد من الأكاديميين والمختصين وعلى رأسهم رئيس «المبادرة» البروفيسور محمد حسين أبو صالح، بعض الرؤي العلاجية لمناطق تعرضت إن كان لظلم أو أي إشكالات سابقة، وسيكون أول انعقاد للمؤتمر على مستوى إقليم دارفور وذلك في مارس المقبل كحد أقصى، وبعده؛ هناك مؤتمرات خاصة بالشرق والنيل الأزرق وكردفان، وستختم بمؤتمر جامع في الخرطوم، تحت مسمى «مؤتمر تسامح أهل السودان»، ولدينا أيضا تحركات مع الإدارات الأهلية ومشايخ الطرق الصوفية بالسودان، وللأمانة منطقة الشرق هي كانت الأولى في زياراتنا لمناطق مشتعلة وساعون لحلها تحت جناح «المبادرة»، لاعتقادنا أن تمددها قد يؤثر سلبا اقتصاديا واجتماعيا على ثغرنا الحبيب ومتنفسنا بالبحر الأحمر، وبطبيعة الحال يؤثر على المنطقة عموما.
لماذا البعض صوب سهامه لجيش السودان في مواجهته العدوان الإثيوبي على سيادة البلاد؟
- دعم الجيش السوداني والوقوف خلفه، واجب وطني لا شك فيه أو مزايدة، ومن بين بنود «المبادرة» إنزال قيم التسامح، ونزع خطاب الكراهية، والهجوم على المؤسسات أجندة لا نعلم مصدرها أو غاياتها، وهي نغمة سيئة جدا ومن الأشياء السلبية التي كادت في وقت ما أن تنسف وتؤدي لانهيار منظومة الدولة، ومن المعروف أن القوات المسلحة من أهم مؤسسات جميع الدول، وهي رمز وعزة كل البلاد ومواطنيها، وفي حال لم نلتف حولها لن يحدث أي استقرار في السودان، ولن تتبعه تنمية، فلا تنمية دون استقرار ولا استقرار إلا بوجود جيش قوي، ونحن في «المبادرة» نجدد وقوفنا خلف القوات المسلحة كما أعلنا من قبل عند بداية الأزمة مع إثيوبيا، من باب المبدأ الوطني، وندعو كل السودانيين مجتمعيا وسياسيا وشبابيا للالتفاف حول «الجيش» الشريك الرئيس في الفترة الانتقالية.
حاول البعض «شيطنة» الإمام الصادق المهدي زعيم الأنصار ورئيس حزب الأمة القومي -رحمه الله- قبل وفاته، وتصويره للشارع بأنه وحزبه خصم على الثورة والحكومة الانتقالية؟!
- الإمام الصادق كان رصيدا إضافيا للثورة، والسعي لتصويره بعكس ذلك، لأسلوبه الذي يختلف عن الجميع، وهو ما اكتسبه من خلال عمره الطويل في الحياة السياسية ونشأته عليه بطبيعة الحال، وهذا شبعه بالخبرة والحكمة والدراية والقراءة وهي ما يفتقده كثيرون، وفي رأيي أن زيادة خطابات الكراهية بعد الثورة كانت مقصودة بغرض تحقيق أجندة سياسية، وتصاعد روح الكراهية من بعض الجهات كان معروفا لتحقيق مكاسب حزبية انعكست سلبا على مجتمعنا المتسامح، وما يحدث الآن يظهر الوعي الكبير الذي انتظم المشهد العام، محاصرا خطابات الفتنة عبر اقتناع الشارع بأنها لن تحقق مطالبه من شعار أساسي التفوا حوله وهو «عدالة وحرية وسلام»، فكل مَنْ أجرم وارتكب ذنبا في حق البلد، لابد أن يحاكم ويأخذ القانون مجراه، ويجب أن ننتبه بأن الناس لا يحاكمون على أفكارهم، بل على أفعالهم.
تقوم «المبادرة» في سياق أهدافها على العدالة، ماذا عن المعتقلين من النظام السابق وهم يقبعون داخل السجون دون محاكمات؟
- نحن ننادي بإرساء قيم العدالة للجميع، بغض النظر عن المذنبين داخل السجن أو خارجه، فمن الأجدى محاكمتهم لارتكابهم أخطاء بحق الشعب السوداني، وهناك أيضا مَنْ ارتكب أخطاء وهو في حكومة الثورة، والقانون يجب أن يشاع على الكل، ولن تتقدم الأمم إلا إذا طبق القانون على القوي والضعيف وعلى الكبير والصغير دون مراعاة لأي اعتبارات كانت سياسية أو اجتماعية، هذا أولا، ثانيا، تصفية الحسابات في الوقت الحالي لن تقدم السودان أو تفيد أهله، بل عكس ذلك تماما، مضيعة للبلد وللوقت، فيجب تقديم مصلحة الوطن على ما يخصنا، فإذا استمر مسلسل تصفية الحسابات، فسيأتي يوم تتغير فيه المعادلة ويكون الطرف الضعيف الآن ذا سطوة وأكثر قسوة في معاملة مَنْ يظن أنه يظلم الآن، لهذا يجب أن تتوقف هذه المهاترات التي لم تقدم بلادنا منذ استقلالها وحتى اللحظة.
ما الدعم الذي وفرته لكم مؤسسات الدولة المختلفة كـ «المبادرة» حققت الكثير على الأرض؟
- ليس هناك جهة لم تقدم الدعم لـ«مبادرة التسامح والسلام المجتمعي»، إلى جانب ذلك فالدعم الفكري وبالتأييد ومشاركة الرؤى الذي نراه هو الأهم؛ ونحسبه كبيرا جدا، الفريق أول عبدالفتاح البرهان سبق الآخرين، ولكن كل البلد الآن تدعمنا، وفي رأيي توفير أرضية للتحرك ونشر مبادئك وأهدافك وغاياتها، هو دعم غير محدود من السلطة التنفيذية، إن كانت وزارية أو حزبية أو سيادية، ويكفي أن عضو المجلس السيادي من المكون المدني الذي يمثل الواجهة الثورية، مولانا حسن شيخ إدريس، شاركنا وخاطب فعالياتنا التي أقيمت في نوفمبر الماضي بمناسبة اليوم العالمي للتسامح.