حسن السبع
لو تكلم العالم كله لغة واحدة فسوف ينتقي كل فرد كلماته بالطريقة التي تعبر عنه. ذلك أن لكل شخص قاموسه الخاص. ولعل ذلك هو ما يدعو أمين معلوف إلى القول: غيري قد يتحدث عن (الجذور) تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة (جذور) وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في الظلمات.. تُبقِي الشجرةَ أسيرةً منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: «لو تحررت فسوف تموتين» إلى أن يقول: «أقدامنا إنما تصلح للسير.. لا تهمنا سوى الدروب». وعندما تتبع أمين معلوف تاريخ أسلافه اختار كلمة (بدايات) عنوانا لكتابه بدلا من (جذور). لكل منا، إذن، قاموسه الخاص الذي يعبر قناعاته أو طريقة نظره إلى الأشياء. ربما لاحظتَ وأنتَ تنتقل من فضائية إلى أخرى متابعا نشرات الأخبار كيف تتعدد الصياغات والخبر واحد، وتتعدد الأسماء والمسمى واحد؟ وإذا كان لكاتب المقال الصحفي أن يختار المفردات التي تعبر عن حقائقه الخاصة، فيفضل كلمة على أخرى، كما فعل أمين معلوف، فإن ما لا يمكن فهمه هو أن تأتي لغة الخبر الصحفي مشحونة بالدلالات والإيحاءات الخاصة التي لا تمثل إلا مواقف وقناعات أصحابها. حيث يفترض أن يكون الخبر محايدا ينقل الوقائع، ولا شيء غيرها. ذلك أن أية مفردة أو عبارة تمثل قيمةً ما، أو توجها ما، قد تفقد الخبر دقته وبالتالي مصداقيته، وعندئذ يتحول إلى رأي أو موقف بعيد عن الحياد. وشتَّان بين الحقائق والآراء، وبين المعلومات والمواقف. سنبقى في إطار لغة الخبر الصحفي وذلك التباين في المسميات الذي يعكس توجهات وسائل الإعلام المختلفة. ذلك أن من يشاهد نشرات الأخبار عبر هذه القنوات الإعلامية، سوف يجد أن كل منبر إعلامي منها يغني على ليلاه. وفي دوامة العنف التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط توزع الأسماء والصفات حسب توجه المنابر الإعلامية. فالقتيل شهيد في فضائية وانتحاري في فضائية أخرى. وهو شهيد في هذه المنطقة الجغرافية، وقتيل في المنطقة الجغرافية المتاخمة لها (!!). وهو مقاوم هنا ومتمرد أو متشدد هناك.. تتباين الأسماء والصفات والمسمى واحد. وهو تباين لا يمنح القارئ أو المشاهد لغة محايدة، ومن ثم لا يترك شيئا لتقديره أو استنتاجه. ربما كان على هذه المنابر الإعلامية أن تأخذ باقتراح جاليليو القائل: «لا تستطيع أن تعلم شخصا كل شيء، لكن يمكنك فقط أن تساعده على أن يستنتج الأشياء بنفسه». ولا يمكن تحقيق هذا الاقتراح إلا إذا قُدِّمتْ المعلومة للمتلقي بطريقة محايدة ومجردة من أي توجه مسبق. منذ سبع سنوات ونحن نسمع بشكل دائم عبارة «الحرب على الإرهاب»، وفي رواية فضائية أخرى «الحرب على ما يسمى الإرهاب». ولعل هدف المحرر من تلك الصياغة هو الإيحاء بالتزام الحياد والموضوعية، أو الاعتراض على صياغة العبارة الأولى. والمعنى في بطن المحرر على أية حال. يقال: نحن لا نرى إلا ما ننظر إليه، ولا ننظر إلا إلى ما هو موجود أصلا في رؤوسنا. وفي كتابها (الحرب الباردة الثقافية) تقتبس فرانسيس سوندرز عبارة لكالديرون دي لاباركا قريبة من هذا المعنى تقول: «في هذا العالم يكون الشيء حقيقيا أو زائفا حسب لون المنظار الذي تنظر من خلاله». في الكتاب أيضا مقولة أخرى لآدم واطسون تشرح ذلك الاختلاف بين الحقائق الراسخة وتلك التي تقال لخدمة غرض ما غير الحقيقة: «عندما تؤسس عملك على تقديم حقائق يكون من الصعب دحضها، ولكن الأمر يختلف إذا كنت تقدم مجرد دعاية». كل المنابر الإعلامية تدعي وصلا بالمسؤولية الأخلاقية، وبشرف الالتزام بالمهنية الإعلامية، وبالحياد والموضوعية. لكن يبدو أنه لا مكان لذلك في عالم تتعارض فيه المصالح، وتتناقض فيه الغايات. لا مكان للحقيقة إلا في رؤوس عشاقها من الشعراء الحالمين. ولعل الشاعر إميل سيوران هو أفضل من يمثل أولئك الحالمين حين يقول: «أحلم بعالم نموت فيه من أجل فاصلة»، ويرى في ذلك قدرة على تحمل تبعات الحقائق. لهذا يبدو حلم شاعرنا موغلا في المثالية، كما يبدو صعبا أو عصيا على التحقق في عالم لا يتنازل فيه المرء عن الفاصلة فحسب، بل يتنازل عن الجمل بما حمل، ويضحي بالمتن قبل الهامش. hsn_saba@hotmail.com