محمد العلي
منذ لغة التاريخ الاولى والانسان يسرج خطاه ليصل الى خدرها وينظر الى وجهها مجرد نظرة يطمئن بعدها الى ان قلبه يضم ظلالا لشجرة حقيقية. وكلما امعن توغلا في الصحارى والغابات وما بين مطلع الشمس وغروبها لم يجد إلا اطيافا فوق اطياف في فضاء اذا أخرج يده لم يكد يراها..هل عرفتها؟لا تتلفت فهي موجودة فيك, كما هي موجودة .. خارجك.. وحين تريد رؤيتها ابحث عنها في قناعتك.. في افكارك .. في لغتك وفي رؤيتك لنفسك وللعالم.. واكرر هل عرفتها؟ستقول بتوتر من يتهم بالجهل : لا.. لم اعرفها, لماذا تتكلم بالاحاجي والالغاز؟ لماذا لا تكون صريحا وتسألني بعد ان تصرح باسمها.. لا بضمير أعمى لا اعرف الى من يعود او يتجه او يعني . وحين تقول هذا بغضب فلا تظن انني سأتميز غيظا من هذه الاتهامات، وسأكشف لك عن اسمها : إنها (الحقيقة).الحقيقة هي تلك التي يتوهم كل فرد انها المسجلة باسمه في (الشهر العقاري) لا مشاعة بين الناس.. انها ملكه، وعليك حين يخاطبك الاصغاء والقبول او السمع والطاعة.. وهذا الوهم هو منبع الشرور على الارض، وهو الذي يفسر التناحر الذي يتخذ له أقنعة مضللة عديدة منها : القومية والطائفية والاقليمية.. الخ فأين الحقيقة يا ترى؟تقول الفلسفة :الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع .. أو هي مطابقة ما بالاذهان للاعيان، وحيث انه ليس من اليسير اثبات هذه المطابقة كانت الحقيقة نسبية تختلف باختلاف الظروف والاذهان.هل مررت ببطء على مفردتي الظروف والاذهان في الفقرة السابقة؟ الظروف والاذهان حين تمر عليهما ببطء يكون في امكانك ان تضع مكان كلمة الظروف كلمة (التاريخ) ومكان الاذهان (مستوى المعرفة) ذلك لان التاريخ له الفعل الاهم في صياغة المعنى، ولا يقل عنه ابدا مستوى المعرفة. اي ان الزمان والمكان لهما الفعل المهيمن في صياغة الحقيقة. ومعنى تدخل التاريخ ومستوى المعرفة في صياغة الحقيقة انها نسبية ومتغيرة فما هو حقيقة الآن يمكن ألا يكون حقيقة غدا، وما هو حقيقة بالنسبة لفرد ما او مجتمع ما قد لا يكون حقيقة بالنسبة لفرد آخر ومجتمع آخر.هذه تكاد تكون بدهية من البدهيات الكبرى، ولكن ما يستقر في الاذهان لاول مرة حتى لو كان خطأ ليس من السهل اجتثاثه. انه مثل الحب الاول عند ابي تمام:نحن هنا نحتاج الى قول مثل شعر المتنبي الذي يسمعه من به صمم.. هل توافقني؟.mali@alyaum.com