محمد العلي

محمد العلي

حين تسمع كلمة (أم) لا يبقى نظرك في اتجاه واحد, بل نظرا متلفتا ذات اليمين وذات الشمال.. نظرا يريد ان يضم معنى منشطرا بين ضفتين يجمع بينهما (أم) ليس هذا وحسب, بل ان الدلالة التي التـأمت بعد تشظ او انشطار اصبحت دلالة مفتوحة على ا لزمان والمكان وعلى الطريقة البيانية التي جاءت عليها وعلى الحالة المتولدة من هذا كله.فنحن حين نسمع عبدالحليم حافظ يشدو:==1==«صحوة الموت ما ارى==0====0==ام ارى غفوة الحياة؟»==2==لا يبقى عبدالحليم في اذنيك وفي ذهنك ذلك المطرب الشجي الذي يزج بك صوته في زورق بلا بوصلة.. بل يتحول الى محلل للواقع الاجتماعي.. محلل يصرخ من الوجع الذي يخترق خاصرته.. ويحاول ان ينادينا ولكن لا حياة لمن تنادي.ثنائية الوجود والعدم.. الموت والحياة.. هنا في صوت عبدالحليم تعرت.. خلعت كل ما عليها من مقولات فلسفية وافكار وسارتريات واصبحت ثنائية (وسطية) بكل ما تتأبطه الوسطية من سكينة ووقار وهي ترفل بالدمقس والحرير.اصبحت الصحوة والغفوة (توأمين) تجلس كل منهما في جانب من مقهى الصيادين على شاطىء البحر الميت.. ومن بعيد تتراشقان بالنظرات.. غير ان التراشق بينهما لا يصل الى ابعد من الهزل.. فصحوة الموت تعرف انها بين فكي الهاوية.. اما غفوة الحياة فيفتح لها النشاط الابدي ذراعيه واقفا عند الباب.صحوة الموت هي تشبث (اللا وعي) بالحياة.. ولكن لغة اللاوعي لغة رمزية لمحية تنطفىء بسرعة, ولكن اعضاء الكائن تتكلم لغة عارية من اي تلميح وان كابرت احيانا كبرياء لفظيا.اجمل ما في صحوة الموت انها تفتح نافذة للامل عند المريض اولا, وعند المحدقين به ثانيا.ولكنه امل سراب سرعان ما يكشف عن عبثيته, بل عدميته وخداعه.. ولكنه على الرغم من تكرره منذ بدء التاريخ حتى الان لازال كما قال محمود درويش (يربي الامل).صحوة الموت وغفوة الحياة لا نراهما في البشر وحسب.. انهما على صعيد الفكر اشد ومضا ووضوحا.. ليست هناك فكرة تناقض صيرورة الحياة وتدفق التاريخ لم تركب صحوة الموت ركوب موجة عابرة.. انها طبيعة الاشياء.. هكذا بكل بساطة.. اما غفوة الحياة فهي تتمثل في تلك الفكر التي لا تعرف أو لا تفهم الا بعد زمن ولادتها بحقب طويلة.. والتاريخ زاخر بمثل هذه الفكر فابن رشد وابن خلدون لم تفهم افكارهما الا بعد قرون.