حسن السبع
نادرا ما يحصل المرء على الوظيفة المناسبة بالمعنى الحرفي لكلمة (مناسبة). فقد تناسب الوظيفةُ التخصص لكنها لا توافق الميولَ، أو تحقق الرغبةَ في أن يكون «هوى المرء مهنته». وقد تناسب الوظيفة التخصص إلا أنه ليس بالضرورة أن يهوى المرء تخصصه. إن التخصص، والحال هذه، كأي طعام صحيٍّ غير شهيّ. مع ذلك، فإن من حسن الحظ أن يجد المرء وظيفةً مناسبة (أو غير مناسبة) لتأمين خبزه اليومي. قبل سنوات كان حلم خريج الجامعة أن يبدأ حياته الوظيفية رئيسا في مكتب أنيق مؤثث مكيف. ثم صارت الأمنيات أكثر واقعية فتنازل الخريج عن الرئاسة، وصار يكفيه الحصول على مكتب يليق بشهادته الجامعية. اليوم، وقد تغيرت الظروف، تنازل الخريج عن المكتب، وأصبح همه الحصول على وظيفة مناسبة. بعد سنوات قد لا يدقق كثيرا في طبيعة الوظيفة، فكل عمل بسيط هو أفضل من البطالة. إن أحد أسباب إحجام كثير من الشباب في بعض المجتمعات العربية عن الالتحاق ببعض المعاهد الفنية، والعزوف عن مزاولة بعض المهن والأعمال اليدوية هي تلك النظرة الدونية المتوارثة لتلك الأعمال. وإذا كان أحد أهداف التعليم هو بناء قاعدة واسعة من التخصصات الفنية التي تلبي احتياجات سوق العمل على تعدد وتنوع تلك الاحتياجات، فإن بعض التقاليد الاجتماعية تقف، أحيانا، حائلا دون تحقيق ذلك الهدف. لذلك يقترح المعنيون بشؤون التنمية الاقتصادية والاجتماعية أن تساهم التربية في تكريس قيمة العمل أيا كانت طبيعته. فالعمل كما يقول أحد الحكماء يجنبنا ثلاث آفات: الضجر ونزعة الشر والعوز (الحاجة). قابلتُ أثناء حلقات دراسية في الخارج طلبةً جامعيين بتخصصات علمية مختلفة (أدب، فلسفة، علم نفس، علم اجتماع...) يلتحقون بعد التخرج بدورات تمتد على مدى سنتين أو أكثر في معاهد تدريب مهنية كي يزاولوا، بعد ذلك، مهناً أو أعمالا يدويةً لا علاقة لها بتخصصاتهم. أما الصديق الأستاذ ديفيد كيلي، فقد ظن أنه، وبعد أن تجاوز منتصف العقد الخامس من عمره قد انتصر على كل التحديات التي واجهها وهو طالب، أو تلك التي خبرها وهو أستاذ يحاول التكيف مع ثقافة أخرى، حيث كان يعمل أستاذا في إحدى جامعات طوكيو. لكنه، وبعد سنوات من العمل في الخارج كأستاذ يتمتع بكثير من المزايا المادية والمعنوية، عاد إلى وطنه (الولايات المتحدة) واثقا بمعرفته وخبراته، فخورا بدراساته وأبحاثه، متوقعا أن يحظى بالوظيفة المناسبة. كانت لديه الرغبة والقدرة على العمل عشر سنوات قادمة. مضت بضعة شهور قبل أن يدرك أن الحياة ما زالت تخبئ له تحديات أخرى. يقول: «أستطيع أن أعد على أصابع اليدين عدد المقابلات التي أجريتْ لي للحصول على وظيفة في سلك التدريس دون جدوى». كان الذين يجرون معه المقابلات شبانا، وكانوا أكثر ميلا إلى توظيف الشبان من أبناء جيلهم. طرق الدكتور ديفيد كيلي كل الأبواب، ولما لم يحصل على عمل كرجل مؤهل متعلم، طرق أبواب العمل اليدوي كرجل شبه أمي. لكن شهاداته العليا كانت تلاحقه أينما ذهب فتغلق عليه أبواب الأعمال المتواضعة. يتقدم للعمل في مؤسسة ما، فيسأله رب العمل عن مؤهلاته، ولأنه يفضل أن يكون واضحا، يصارح صاحب العمل بأنه يحمل دكتوراه في الحقل الفلاني. عندئذ يعتذر صاحب العمل عن توظيفه احتراما لخبراته ومكانته العلمية. كان ديفيد واقعيا فهو يدرك أن الوجاهة والمكانة لا تؤمّن رغيفا ولا تسدد فاتورة، مما دعاه إلى طرق كل أبواب العمل بلا استثناء.وبعد: لا شيء يستعصى على المثابرة والتصميم أو كما يقول سينكا: «ليس عدم جرأتنا على الأشياء بسبب أنها تبدو لنا منيعة، بل هي تبدو لنا منيعة بسبب عدم جرأتنا عليها». لذلك قرر ديفيد، وبجرأة، أن يواصل رحلة البحث عن وظيفة (غير مناسبة) حتى وجدها، وهو يعمل، حاليا، في مستودع للكتب تابع لجامعة إيثاكا في انتظار وظيفة مناسبة. يقول ديفيد: «كنت أعيش لسنوات طويلة في برج عاجي قبل أن أدرك أن الحياة قد لا تهيئ لنا الفرص في كل الأحيان»! وحكاية ديفيد كيلي هذه مهداة، مع التحية، لكل باحث عن وظيفة (مميزة)!hsn_saba@hotmail.com