مطلق العنزي
كانت الدموع هي التعبير الأكثر بلاغاً..تعانق أصوات المنشدين..الدموع تهل فرحاً.. وربما انتقاماً من سياط التاريخ..محاكمة لآلاف السنين من الإهانات والعذابات..كانت الدموع تهل حزناً في «جذور» ألكس هيلي، حيث كانت العذابات جزءا من الحياة اليومية.كان السادة البيض يجمعون، في حظائر، مئات السود مكبلين ومربوطين إلى أرضية السفن يممون بهم العالم الجديد..وتماماً مثلما يستقبل تجار الأغنام الموردين، كان تجار الرقيق ينتظرون السفن في موانيء المستعمرات. حيث يشرون عبيداً بـ«الجملة» ويبيعونهم متفرقين.وكان يزوجون العبيد كي «ينمو» التجارة. وحينما يكبر الأبناء يبيعهم السادة البيض لمن يشترى.ما أشد الألم والحسرة وسياط العذاب حينما تسأل أم السيد الأبيض عن طفلها أو طفلتها، ثم يجيبها بأنه قد باعه (أو باعها) إلى مسافرين لا يعرفهم ولا يعرف أين تحط بهم المسافات، ربما في سهول نيفادا، وربما في مرتفعات الويست إند وربما في ضفاف المسيسبي الطويلة الشاسعة.ثم تستكين الأم إلى الدموع وحرقة الأسئلة.. أين هو؟.. مع من؟.. هل يجوعونه أم يطعمونه؟.. هل يثقلون عليه بالعمل؟.. هل باعوه؟..ولمن؟.. هل هو مريض؟ولاحقاً بجهود رجال مثل ابراهام لنكولن، تم تحرير العبيد وأعيدت لهم بعض من الكرامة.وفي الستينيات ارتفعت أصوات مالكوم اكس (مسلم)، ولوثر كينغ، كزعماء للحقوق المدنية، وغيرهم، وطالبوا بتحقيق المساواة الكاملة بين السود والبيض في الولايات المتحدة الأمريكية.ودفع الاثنان حياتهما ثمناً للحرية.وكان مارتن لوثر كينغ يردد «لدي حلم»..وتأخر الحلم كثيراً..ولكن رجلا واحدا.. أهدى للناس أن تهل دموعهم.. وأهدى لهم الحلم.وكان يوم الثلاثاء يوماً فاصلاً في التاريخ البشري.ولحظة حاسمة أن يتوج رجل أسود القيادة العالمية.باراك أوباما لم يكن مجرد سياسي مفوه يقهر خصومه وينتصر.وإنما المشروع «الحلم» هو الذي انتصر.قبل أربعين عاماً كان السود في أمة الديمقراطية، لا يجرأون على الجلوس إلى جانب «السادة البيض»، ولا الركوب في حافلاتهم، ولا يأكلون في مطاعمهم. ولا يدخلون من الأبواب التي يستخدمها السيد الأبيض..كانوا يتلقون الإهانة ويبكون بصمت.. أوباما حقق «الحلم» لمئات الملايين من ذوي البشرة السوداء في جميع أنحاء العالم. وأعاد لهم الكرامة..كان فوزه تكفيراً عن الفظائع التي ارتكبت بحق السود بطول الليالي الحالكة الظلمة التي عانوها. وتركان المكبّلون يرفسون في أغلالهم.. إذ سفن العار تعبر لجة المحيط..حينما يفقد الإنسان حريته، يصبح أسيراً لعذاب الأسئلة ويجتر مرارة الحياة عبر السنين الطويلة الثقال. حيث لا تقاس السنون بالزمن وإنما باللحظات الحالكة الظلمة.. إذ تحجم النجوم عن البزوغ، وحيث لا صبح في أفق الدنيا .malanzi@alyaum.com