حسن السبع
من قوانين مورفي التي تمزج الجد بالهزل والحكمة بالتهكم قانون يقول: «إذا احتفظتَ برباطة جأشك بينما الكل حولك يفقدها، فلعلك لم تفهم بعد ماذا يجري حولك»! وقوانين مورفي كالأمثال لا تعارض. وحسب هذا القانون فإنه لا يمكن افتراض أن من يحتفظ برباطة الجأش، في مثل هذه الحال، قادر على مواجهة الظروف والحالات الحرجة بشجاعة، أي أنه ليس ذلك الذي خاطبه المتنبي بقوله: «كأنَّكَ في جفْنِ الردى وهْوَ نائم».. وإنما هو «أطرش في الزفة»! والعالم مليء بأولئك الذين يتوسدون الغفلة، ثم لا تأتيهم الحكمة، إن أتت، إلا بعد فوات الأوان، وعندما تأتي فإنه لا جدوى منها. وهي حالة لا تتيح لصاحبها أن يتحرك أو يتفاعل أو يتعلم أو يتغير، فهو يعيش زمنا دائريا، بل هو خارج الزمن، لذلك «تنبو الحوادثُ عنه وهْوَ ملمومُ». كما يعبر مقبل بن تميم في سياق آخر. وإذا كان هذا هو حال رابط الجأش الذي «لم يفهم بعد ماذا يجري حوله» كما جاء في قانون مورفي، فإنه يوجد في المقابل حالة جمود إرادي، أي عن سابق إصرار وترصد، كما يقول رجال القانون. ومن المتعذر على من يمر بأيّ من هاتين الحالتين أن تقلقه حالة الثبات، أو أن يساوره حلم التغيير.لكن، كيف يكون الجمود إراديا؟ يصبح الجمود إراديا، أحيانا، في حالة التعلق ببعض المفاهيم والوقوف على أطلالها، والعيش بين أنقاضها. فقد يتعلق المرء بمفاهيم وأفكار وقيم زاهية واعدة، ظن أنها ستظل راسخة كالجبال الرواسي، ثم وجدها، فجأة، تتداعى وتنهار حَجَرةً بعد أخرى، إما لأنها طوباوية حالمة وغير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، أو لأنها تحمل معها بذور فنائها. هذا موقف صادم وفيه جرح للذات، إذا حمل ذلك على محمل شخصي. ولا يتعرض لتلك الصدمة العنيفة إلا من يتماهى مع قناعاته إلى درجة الغيبوبة عن أي شيء سواها. لذلك تتباين ردود الفعل من شخص لآخر. ففي حين يتشبث فرد بقناعاته إلى حد الجمود، يميل آخر إلى مراجعة ونقد وتصحيح تلك القناعات، أو التنازل عنها إذا أثبت الواقع فشلها. أما النموذج الأول فقد يفرض حراسة مشددة على قناعاته. وقد يدافع عنها بحجج هي أوهى من حجج النحاة.لكن، لماذا يمارس هذا النموذج ذلك الجمود الإرادي؟ ولماذا يتحول هذا الموقف، في نهاية المطاف، إلى شكل من أشكال المكابرة التي تسمي الجمود صمودا؟ يبدو أن أسباب ذلك ذاتية محضة. فقد يجد بعضهم أن أي مساس أو تقويض لقناعاته أو آرائه إنما هو مساس وتقويض لشخصه، واعتداء على كبريائه، ومن ثم فإن كل دفاع عن تلك القناعات والقيم والمفاهيم المنهارة لا يعدو كونه دفاعاً عن الذات، وانتصاراً لها. وعلى النقيض من ذلك، يمكن الإشارة في هذا السياق إلى شخصية لا تجد حرجا في التنازل عن قناعاتها عندما يثبت عدم جدواها. شأن أي فيلسوف ينكر على نفسه «حق الإقامة في المعرفة المطلقة» هي شخصية برتراند راسل. فقد سئل مرة عما إذا كان خصومه صادقين في اعتقادهم أن لديه عادة تغيير آرائه، فقال: «لقد تغيرت آرائي بالتوافق مع تغيرات العالم»! أعتقد أن هذه رباطة جأش تختلف عن تلك التي سخر منها مورفي في قانونه سابق الذكر. فتلك رباطة جأش شخص لا يعلم ما يدور حوله، وهذه شجاعة شخص يدرك أن الجمود، وربما الانقراض، هو مصير أولئك الذين لا يشعرون بالتغيرات التي يمر بها العالم. ويمكن لنا أن نفهم موقف برتراند راسل ورؤيته الواقعية على ضوء ما يقوله هنري برغسون عن العقلية المتجددة حيث «يرفض الذهن البقاء في مكانه.. ومن غير أن يحدد أبدا موقعه الحالي إلا بالنسبة للموقع الذي غادره، مثل مسافر في مؤخرة القطار لا يرى أبدا سوى الأماكن التي تجاوزها».. أما المفارقة العجيبة فهي أن يدعي بعضهم معرفة الآتي باعتباره حتمية تاريخية، وهو لم يتمكن من استيعاب تجارب الماضي إما لأنه كان نائما أثناء الرحلة، أو لأنه، على وعي تام بذلك، لكنه يؤجل، وبشكل إرادي، لحظة الحِدَاد لأنها لحظة مريرة!.hsn_saba@hotmail.com