د. عبدالوهاب القحطاني
لقد شهد ولا يزال العالم يشهد أكبر هزة اقتصادية منذ الانهيار الاقتصادي والإفلاس العظيم الذي مر بالولايات المتحدة في عام 1929م وما بعده بسنوات قليلة. هذه المشكلة ليست كسابقتها لأنها تعصف بالعالم وتنتشر مثل الفيروس الذي ينشط بتزايد الترابط السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاتصالاتي بين دول العالم. أنه يعد تسونامي القرن الحادي والعشرين الذي أدى إلى إفلاس شركات مالية أمريكية كبيرة ذهبت معها استثمارات دول وشعوب لا تستطيع عمل شيء سوى الدعاء والتضرع إلى الله بتخفيف تبعات هذه الأزمة العالمية الجارفة.الأسباب التي أدت إلى هذه الأزمة الاقتصادية هي ما يجب معالجته ليصلح الوضع الاقتصادي العالمي، وهذا يعني إصلاحا جوهريا أساسيا في النظام الأساسي للمؤسسات المالية الأمريكية التي تقود العالم الحر إما إلى النجاح أو إلى الفشل الذي عبر عنه الكثير من الكتاب بأنه فشل النظام الرأسمالي. ما يحدث الآن من تعامل مع الأعراض المرضية للنظام المالي يعد بلا شك علاجا مؤقتا لا يجد الحلول لأسباب المشكلة. خطة الإنقاذ التي اتبعتها الحكومة الأمريكية بضخ 700 مليار دولار ليست سوى مهدئ للمشكلة ومحاولة متواضعة لزيادة الثقة في الاقتصاد الأمريكي الذي يؤثر على الاقتصادات العالمية الأخرى. وأشير هنا إلى أن الفساد في الشركات الصناعية الأمريكية أصبح واضحاً للقريب والبعيد منها، وكما يقول المثل العربي «رجل الديك تأتي بالديك». تكشف للعالم من خلال فضيحة إنرون مدى تواطؤ شركات التدقيق المحاسبي والقانوني مع الشركات الأمريكية، وليست انرون الشركة الوحيدة في الولايات المتحدة التي تضلل معلوماتها على الحكومة وأصحاب المصلحة ذات العلاقة بها، بل هناك شركات قادمة سيكشفها تسونامي الانهيار الاقتصادي الذي كشف مدى ضعف قوانين وحوكمة الشركات الصناعية والمؤسسات المالية الأمريكية. للمواطن الأمريكي دور واضح في الأزمة منذ حوالي الثلاثة عقود عندما بدأ يعظم الثراء من خلال الاقتراض ويبحث عن حياة مكلفة لا يستطيع مواكبتها من غير تكبد الديون سواء بشراء منزل أو سيارة أو كماليات يسددها على مدى سنوات طويلة لا تساعده على ادخار القليل، بل لقد طالت الأزمة المالية ما ادخره المواطن الأمريكي في المؤسسات المالية والادخارية على مدى عقود زمنية طويلة. غياب الضوابط والأنظمة أعطى الشركات الصناعية والمؤسسات المالية الأمريكية الفرصة للثراء على حساب البسطاء، بل وحتى على حساب الطبقة المتوسطة الكادحة، حيث لم يتوقعوا هذه الأزمة التي داهمتهم بسرعة وعلى غفلة وهم نائمون. يحتاج قانون الإفلاس الأمريكي أو ما يعرف بالفصل الحادي عشر للإفلاس لإعادة النظر، حيث تستخدمه شركات كثيرة لإعلان إفلاسها لتذهب استثمارات الناس أدراج الرياح جراء ما يمنحه هذا القانون من حماية للشركات الفاسدة بعدم ملاحقتها من قبل الدائنين، وذلك من غير مسألة صريحة وجدية لما أدى إلى إفلاسها. ويجب أن نستخلص من هذا المقال مدى أهمية بقاء نسبة كبيرة من الاستثمارات السعودية في بلادنا حتى لو تحسن الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة، فربما يكون تحسناً مؤقتاً يتحول إلى تسونامي أقوى من الذي نمر به خلال هذه الشهور العصيبة.asalka@yahoo.com