محمد العلي

محمد العلي

الطغيان تجاوز الحد ويوصف به الذي يسرف في الظلم والقمع والاذلال.. ومن هنا جاء استفهام محمود درويش ( وما الفرق بين الطغاة وبين الغزاة؟) فالظلم طبيعة واحدة, بل ان (ظلم ذوي القربى اشد مضاضة).. واذا كان هناك مفهوم او كلمة لغوية تحتاج الى شرح او ايضاح, فان كلمة الطغيان بكل ألوانها وحواشيها لا تحتاج الى شرح.فكثير من مفكرينا وكتابنا يصفون (التراث) بانه طاغية, بل ان احد نقادنا الكبار شبهه بشيخ البحر الذي نقرؤه في الف ليلة وليلة.. .. غير اني هنا لا اتكلم عن التراث بالمفهوم المعروف والمتداول كتابيا ولا عن الطغاة منذ فجر التاريخ حتى غروب الشمس.. بل اقصد من العنوان التعبير عن الزمان والمكان.الزمان الذي ولدت فيه ليس اياما وليالي فقط.. انه تقاليد ويقينيات وقناعات ومصالح.. انه كل شيء يتعلق بحريتك الوجدانية والعقلية والنفسية.. والمكان ليس هو حيزا وسقوفا وجدرانا.. كلا.. انه بالاضافة الى ذلك ما يتحكم في جسمك مباشرة او غير مباشرة.. فالطقس ولون التغذية والقرب والبعد من سطح البحر.. انه كل شيء يتعلق بجسدك ونوع ضعفه او قوته.. ان لم نقل صحته وسقمه.انت منذ ان تمتلك وعيك الخاص وتسرح نظرك في داخل نفسك.. تجد ان نفسك ووجدانك وعقلك وحتى جسدك.. تجدها كالارض المزروعة باشياء لا دخل لارادتك فيها .. ولكن المشكلة ليست هنا.. ان المشكلة الحقيقية هي: كيف تستطيع اقتلاع ذلك الكم الهائل من الاشواك في داخلك او في ظاهرك وباطنك معا؟ في وعيك ولا وعيك معا ايضا؟صراعك مع نفسك او تلك الحرب الصامتة العوان مع حقول مترامية ممتدة فيك.. صراع مهول مرهق ومعذب وليس عبثا وصفه بالجهاد.. الجهاد بمعنى الارتفاع بالذات وما حولها.واقتلاع كل المعوقات لتفجر الصفات الخضراء فيك وفي غيرك.هل نسميها حتمية الزمان والمكان؟؟الحتمية - في نظر من يؤمن بها - مقولة فلسفية تعني ان كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة مقيدة بشروط توجب حدوثها اضطرارا.. وبعض المفكرين يتوسع فيها ويجعل الانسان نفسه ظاهرا وباطنا.. خاضعا للحتمية.. وانت تسم فعل الزمان والمكان بما شئت.. اما ما اعتقده فان فعلهما يلمس لمسا.. وهل هناك برهان اشد سطوعا من اللمس؟.mali@alyaum.com