صفاء قرة محمد ـ بيروت

ظهر إلى العلن امتعاض البيئة الشيعية من تصرفات «حزب الله» المتتالية في السنوات العشر الأخيرة، وأيقنوا أن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله جعلهم وقودًا في معركة ولاية الفقيه تنفيذًا لمشاريع عديدة، وبعدما انتهت الحرب في سوريا تقريبًا وحجمت روسيا الدور الإيراني في سوريا، فيما التحالف العربي يواجه ميليشيات الحوثي في اليمن تحرك الشارع العراقي ضد إيران وميليشياتها في العراق، ناهيك عما أحدثته العقوبات الأمريكية على «حزب الله» من قيود على حركته وتوسّعه في المنطقة.

الثقة المفقودة

أما اليوم، وبعدما سقط قناع مقاومته لإسرائيل مرارًا، ها هو يستغل وباء «كورونا» لإعادة الثقة المفقودة منه تجاه الشعب اللبناني عمومًا وقاعدته الشعبية خصوصًا، فأعلن عن خطته العملية لمكافحة «كورونا» مما أثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا لجهة الإمكانيات التي رصدها الحزب المموّل من إيران والتي تضمنت إنفاق 3.5 مليار ليرة لبنانية لمواجهة الأزمة، وتشمل 25 ألف طبيب وممرض وكادر، بالإضافة إلى تأسيس مستشفيات ميدانية في الجنوب واستئجار مستشفيات، وعدد من الفنادق لعزل المصابين، لكن ما هي خطة إيران والحزب، ولم يتم الإعلان عن ذلك وهو لطالما غذّى ودعم قاعدته الشعبية دون استخدام الإعلام؟.

أهداف الحزب

يبدو أن الجواب بديهي وواضح إذا رصدنا سلوك الحزب في الآونة الأخيرة، فهو أولًا، ينطلق من قاعدة مفادها أن دويلته أقوى من الدولة اللبنانية، فبدلًا من أنه يقدم 3.5 مليار ليرة لبنانية إلى الدولة اللبنانية الساعية إلى جمع التبرعات من الشعب اللبناني لدعم الطاقم الصحي لمواجهة «كورونا» ها هو يقيم مستشفياته وأطباءه وبذلك يفصل شعبه عن الشعب اللبناني كأنهم يعيشون في مقاطعة منفصلة عن لبنان.

ثانيًا، يبدو أن لغة السلاح التي استخدمها «حزب الله» في السنوات العشر الأخيرة لم تجنِ ثمارها العسكرية والشعبية، فمن خسارة إلى أخرى، ومن تململ شعبي إلى آخر، فالصورة التي ظهر عليها الحزب في أواخر الثمانينيات لم تعُد هي في العام 2010 وما بعده، أي منذ إعلانه الانخراط في الحرب السورية، فإيران التي تعاني ضغوطا شعبية وأوضاعا سياسية واقتصادية صعبة، اليوم تواجه وباء يفتك بشعبها، ويقف نظامها عاجزا أمامه، لهذا فالوقت ليس للحروب والدماء.. الوقت لإعادة استعطاف شعوبنا، وهذا هو أحد أهداف «حزب الله» الرئيسية من خطته لمواجهة «كورونا».

رأس الفساد

ثالثًا.. أما لناحية مجاهرته لهذه الخطة وهو أمر لم يعتَد عليه الحزب فيعود إلى أن الإعلام اللبناني منذ ثورة 17 أكتوبر لم يعُد يتعامل مع الحزب على قاعدة أنه أحد الأطراف السياسية في لبنان، بل بات يعتبره رأس حربة الفساد والدمار، ولم يتوانَ عن التحريض ضده والمساهمة في كشف نواياه التخريبية والعابثة بأمن واستقرار لبنان واللبنانيين، بالإضافة إلى أن الحزب يريد أن يختبئ وراء هالة «كورونا»؛ ليعود بطلًا في عيون قاعدته الشعبية ومن يستطيع جذبه إلى صفوفه.

رابعًا.. يحاول «حزب الله» أيضًا الظهور أمام الرأي العام اللبناني بأنه إلى جانب الدولة اللبنانية، وإلى جانب اللبنانيين في أزمة «كورونا»، كما فعل حينما حارب إلى جانب الجيش اللبناني في الجرود ضد «داعش»، مع العلم بأن القاصي والداني يعلم أنه لن يتمكّن من استعطاف أحد.

خامسًا.. «إعادة الثقة» بـالحزب هو عنوان المرحلة المقبلة التي يريدها نصرالله؛ لهذا اختار بوابة «كورونا» التي يبدو واضحًا أنه لا أفق واضحًا لنهايتها، ولن يتمكّن هذا الحزب من محو الذاكرة الدموية من عقول اللبنانيين واستبدالها بأخرى اجتماعية إنسانية.