محمد العلي
كان عبدالملك بن قطينة يشكو من أرق مقيم يبعد عنه الرقاد ويترك ليله مرعى للأشباح والكوابيس.. فشكا حاله للجعد بن مرة الشقشقي.. وكان رجلا حافظا تلقى العلم على يد المنذر بن سيرين, وهو من أحفاد ابن سيرين البصري (653 - 729م) الحجة في تفسير الأحلام والذي سمع من أبي هريرة في أواخر أيامه.. فقال له الجعد بعد أن استمع شكواه: ألا تروي لي بعضا من تلك الأشباح التي تقض مضجعك؟قال له عبدالملك : ذات ليلة رأيت قطارا من الجمال ممتدا الى حيث يرجع إليك البصر خاسئا وهو حسير.. عليه رجال يتكلمون بألسنة عديدة.. وكأنهم من احفاد اولئك الذين ذكرهم الكتاب المقدس (الاصحاح 11 : 1 - 9) وهم اولاد نوح عليه السلام بعد الطوفان.. والذين استقروا في ارض بابل وارادوا بناء برج متصل بالسماء او الجنة - بزعمهم - .. ولكن الرب لم يشأ للبرج ان يكتمل.. فبلبل ألسنتهم.. اي جعلهم يتكلمون بلغات مختلفة بحيث لا يفهم بعضهم من بعض شيئا.. وقد كنت في حالة من التعجب.. فسألت احدهم, وكان على جمله ماذا تقولون وبأي لسان تتكلمون؟ فما كان منه الا ان ركلني برجله على وجهي.. ومنذ تلك الليلة وهذا الكابوس يلازمني فلا استطيع الرقاد.. حتى ان ام القعقاع (وهذا اسم ولده) هدرت مضجعي.. فقل لي ماذا اعمل جزاك الله خير الجزاء؟فقال الجعد : لقد قرأت في لسان العرب ان معنى جملة : (بلبل الله ألسنة الخلق) معناها هو (فرقها) ولعل جذر هذا الدعاء هو تلك الحكاية التي ترويها عمن حاولوا ان يتخذوا سلما الى السماء.. فأخزاهم الله وفرق ألسنتهم فهاموا على وجوههم في فجاج الارض.. ومع ذلك دعني أسأل شيخي المنذر بن سيرين عن كابوسك هذا.ذهب الجعد من حينه وساعته الى شيخه المنذر .. وقال له ما رواه ابن قطينة عن كابوسه حرفا بحرف, حذو النعل بالنعل.. فقال المنذر : لقد قرأت مثل هذا في احد الكتب التي أملاها جدي.. وكان المعول في تفسير مثل هذا هو معرفة الالفاظ التي يفوه بها ذو الكابوس قبل اليقظة.. فهل هناك من سمع هذه الألفاظ منه؟ قال الجعد : إنها زوجته ام القعقاع.. وقد قالت : ان الكلمات التي يهذي بها هي «جاءوا - القبور - النجدة - حراس - العصي».حين سمع المنذر هذه الالفاظ اربد وجهه وظللت قسمته سحابة من الحيرة وقال : هذه الالفاظ كلها قرائن على الخوف والرعب.. فالجمال في المنام قرينة على القوة.. وان الراكبين عليها من الرجال مسخرون من هذه القوة عينها على الابلاغ بأمر ما .. ولان هذا (الامر ما) قد مات منذ زمن.. كانوا يتكلمون بألسنة غير مفهومة.. وعلى من يسمع ان يفهم والا فنهايته هذا الكابوس في كل ليلة.حدث الجعد عبدالملك بن قطينة بما سمعه من شيخه.. فقال عبدالملك للجعد: ثكلتني الثواكل.. هل كتب علي العذاب؟ فقال الجعد : نعم.(اللي انكتب عالجبين لابد تشوفه العين). mali@alyaum.com