نورة إبراهيم

في أوقات الأزمات الصعبة والحرجة، تصبح كل الأمور على المحك، بما فيها المبادئ والقيم، والشعارات التي يتم تبنيها، حيث تختبر في ميدان الحقيقة، ذلك الميدان الذي لا نجده في أوقات الرخاء والسهولة، وهذا ما حدث بالضبط مع فايروس كورونا.

صدمت شخصيا بطريقة تعاطي بعض الدول الغربية التي تمكنت من إقناع العالم بأنها الأب الروحي لحقوق الإنسان والوحيدة القادرة على تطبيقها وحفظها، فبريطانيا إلى يومنا هذا لم تتخذ إجراءات صارمة وحقيقية للحد من تفشي الفايروس، بل على العكس، خرج رئيس الوزراء بوريس جونسون بتصريحات محبطة وجافة جدا وإن كانت صريحة، ليبشر الناس بأن الموت قادم ولا فائدة من مواجهة المرض، وبدلا من فرض حظر التجول وإغلاق كافة أماكن التجمعات، تستمر المدارس والجامعات باستقبال مرتاديها، وتستمر المجمعات التجارية والمطاعم بفتح أبوابها للناس لتكون أرضا خصبة لانتقال العدوى، باعتماد رسمي من الحكومة البريطانية لإستراتيجية «مناعة القطيع» حيث ترغب من خلالها بفرز الأقوياء الذين يستحقون البقاء والضعفاء الذين لا يستحقون سوى الموت!

كما أنه من الواضح لي بأنها تعتمد أيضا على تطبيق «نظرية السكان» للاقتصادي توماس مالتوس التي تقول بأن الأوبئة طريقة طبيعية تساعد على قتل الكثير من الناس، لتحقيق عنصر التوازن ما بين عدد السكان والموارد الغذائية وغيرها من الموارد، خصوصا وأن بريطانيا مقبلة على تضخم سكاني غير مسبوق بحلول عام 2037 وفقا لمكتب الإحصاء الوطني البريطاني، وكل هذا لا يبدو لي سوى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

من جهة أخرى قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باتباع نفس الخطى، فخرجت لتبشر الألمانيين بأن 60% منهم سيصاب بالفايروس، بالإضافة لتأخر الحكومة بفرض الكثير من الإجراءات كإيقاف الدراسة والرحلات الجوية وإغلاق أماكن التجمعات مما تسبب في وصول الإصابات إلى أرقام كبيرة، وكذلك هو الحال في بقية الدول الأوروبية التي تساهلت في مواجهة الوباء منذ بدايته، ليصل بها الحال إلى فقدان السيطرة وانهيار أنظمتها الصحية وترك المرضى بلا علاج.

في المقابل استنفرت السعودية كل قطاعاتها من أجل مصاب واحد لأنها تدرك خطورة وسرعة ما نواجهه، فتعاملت بنفس السرعة واتخذت كل الإجراءات اللازمة، والقرارات الشجاعة مهما كانت قوتها ومهما كان ثمنها، أوقفت العمرة ونظمت كل ما يختص بالحرمين الشريفين في خطوة عظيمة تنبع من حرصها ومسؤوليتها الكبيرة تجاه كل مسلمي العالم، أقفلت المدارس واستكملت التعليم افتراضيا، أغلقت كل الأماكن التي من شأنها المساهمة في نقل العدوى، وحملت على عاتقها سلامة وأمن مواطنيها ومقيميها وتأمين احتياجاتهم الكاملة، حتى سيطرت على دائرة انتشار المرض ما بين المحجوزين في الحجر الصحي والقادمين من الخارج، فأصبحت مثالا حقيقيا يقتدى به في إدارة الأزمات والحفاظ الفعلي على حقوق الإنسان.

@naevius_