بقلم - إيريك موراث

يسحب الفرص في القطاعات عالية المهارة

من المتوقع أن تحل تقنيات التكنولوجيا الحديثة محل أصحاب الياقات البيضاء من موظفي المكاتب والعاملين بالإدارات أكثر من العمال الذين يديرون عملهم بشكل إبداعي، وذلك حسبما وجدته دراسة حديثة لمعهد بروكنجز، حيث سيغير الذكاء الاصطناعي -آلات البرمجة التي تفكر مثل البشر- كيف يعمل الأمريكيون على نطاق مماثل لتأثير الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر المكتبية.

وأوضحت الدراسة، أنه في المستقبل ستكون الوظائف الأكثر عرضة لسيطرة الذكاء الاصطناعي عليها هي أخصائيو التسويق والمستشارون الماليون ومبرمجو الكمبيوتر، وهي جميعا وظائف تميل إلى دفع أجور عالية وتميل أكثر نحو العمال الذكور وأصحاب البشرة البيضاء والآسيويين.

وشملت الوظائف الأخرى الأكثر عرضة للتأثر من سيطرة الذكاء الاصطناعي أنواعا معينة من المهندسين وأخصائيي البصريات ومصممي الجرافيك ومطوري البرمجيات ومديري المبيعات.

ويقول مارك مورو Mark Muro، أحد مؤلفي الدراسة، إن التكنولوجيا الجديدة مثل الحواسيب الآلية وتقنيات الفيديو في مكان العمل كانت أفضل خلال السنوات الماضية بشكل عام للعمال ذوي المهارات العالية، مقارنة بالعمال الأقل مهارة، ولكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل العكس تماما، حيث سيؤثر بالسلب على أصحاب المهارات العالية، ويترك العمال الأقل مهارة في وظائفهم.

وفي حين أن الآلات تمكنت منذ فترة طويلة من أداء المهام البدنية المتكررة أو العمليات الحسابية المعقدة، فإن الذكاء الاصطناعي يتيح لأجهزة الكمبيوتر تحليل البيانات والتنبؤ بالنتائج والتعلم من التجربة من خلال التعرف على الأنماط واتخاذ القرارات. ويتم تنفيذ هذه المهام حاليا بواسطة عمال محترفين، الكثير منهم يحملون شهادات جامعية.

وهنا يمكنك التفكير على سبيل المثال، في كيفية قيام المستشار المالي بتحليل الظروف الاقتصادية للعميل وآفاق الدخل والأهداف الشخصية، لتقديم إرشادات حول التخطيط للتقاعد. فباستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تستعمل الخوارزميات الحاسوبية نفس المعلومات لتقديم توصيات.

مثال آخر هو وظيفة محلل أبحاث السوق الذي يرصد اتجاهات وأنماط الإنفاق الاستهلاكي للتوصية بإستراتيجية إعلان لفيلم جديد أو سيارة جديدة. فمع الذكاء الاصطناعي، يمكن للكمبيوتر أن يفعل نفس الشيء.

وبالمثل، بدأت المنشآت الطبية في استخدام أجهزة الكمبيوتر لقراءة الأشعة السينية وتحديد ما إذا كانت الصور متوافقة مع مرض مثل الالتهاب الرئوي، وهي مهمة كان يقوم بها أخصائي الأشعة سابقا.

ويمكن لهذه التقنية أن تحرر الموظفين الطبيين لقضاء المزيد من الوقت مع المرضى أو فحص الحالات الأقل وضوحا، كما يمكن أن تقلل من الحاجة الكلية لخبراء الأشعة مستقبلا.

ويقول مايكل ويب Michael Webb، أستاذ علم الاقتصاد في جامعة ستانفورد: سوف يحل الذكاء الاصطناعي محل مجموعة من المهام، لكن لا يوجد سبب يدعو إلى النزوح التام عن العمالة البشرية، فالشيء الوحيد الذي يمكنك قوله بالتأكيد هو أن طبيعة الوظيفة نفسها ستتغير.

على النقيض من ذلك، حلت الأتمتة محل بعض العمال، ومنهم مثلا الأشخاص الذين يضعون المسامير في خطوط التجميع بالمصانع، وهناك بعض برامج الذكاء الاصطناعي الأخرى شغلت وظيفة الأشخاص الذين يقلبون قطع البرجر، وهي مهام تتطلب اتخاذ قرارات أقل، ويتم تأديتها عادة من قبل عمال أقل تعليما وأجرا.

ولدراسة الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي، قام ويب بمراجعة أكثر من 16 ألف براءة اختراع متعلقة بالذكاء الاصطناعي لتحديد القدرات، مثل «تشخيص المرض» أو «التعرف على الطائرات». وفي الوقت نفسه، درس قاعدة بيانات وزارة العمل الشاملة لمئات المهن لفهرسة المهام المحددة المطلوبة للوظائف.

ثم مقارنة قدرات برامج الذكاء الاصطناعي المحتملة مع ما هو مطلوب في الوظائف الحالية لتطوير قدر من الفهم لمستقبل تلك الوظائف، كما وفر تحليل ويب الأساس الأولي لدراسة معهد بروكينغز.

ووجدت الدراسة كذلك، أن حاملي شهادات البكالوريوس من المحتمل أن تتأثر وظائفهم خمسة أضعاف أكثر بانتشار برامج الذكاء الاصطناعي أعلى من أولئك الذين يحملون شهادات الثانوية فقط، ويحصل المتأثرون سلبا ببرامج الذكاء الاصطناعي على 70 إلى 90 % من إجمالي الأجور الموجودة حاليا.

ولمجرد أن الوظيفة تتأثر ببرامج الذكاء الاصطناعي فهذا لا يعني بالضرورة أنها ستزول، ولكن من الممكن أن يسمح الذكاء الاصطناعي لبعض العمال بالاستغناء عن المهام المستهلكة للوقت مثل تحليل البيانات، والتركيز على أنشطة أكثر ربحية، مثل مقابلة العملاء. وبالتالي يمكن أن يصبح هؤلاء العمال أكثر إنتاجية ويحصلون على أجور أعلى.

ويمكن لأصحاب العمل الآخرين أن يجدوا وظائفهم مستقبلا وقد أصبحت أكثر بساطة وبالتالي يمكن شغلها بسهولة من قبل شخص أقل تعليما، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأجور في هذه الوظيفة. وفي حالات أخرى، يمكن استبدال الوظائف بالكامل بالتكنولوجيا.

ومما لا شك فيه أن الخبراء في الماضي توقعوا بشكل خاطئ أن التحولات الرئيسية الأخرى في الاقتصاد -بما في ذلك ميكنة الزراعة وأتمتة المصانع والاستعانة بمصادر خارجية للعمل في بلدان أجنبية- سوف تتسبب في بطالة جماعية، فبينما ألغت هذه الاتجاهات العديد من الوظائف في الولايات المتحدة، إلا أنه تم إنشاء العديد من الوظائف الأخرى بمرور الوقت.

وكان معدل البطالة في شهر يناير الماضي بالقرب من أدنى مستوى له خلال 50 عاما، عند 3.6 %.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الآن لديها ستة ملايين وظيفة في المصانع أقل مما كانت عليه في أواخر السبعينيات، إلا أن لديها 62 مليون وظيفة إضافية مختلفة، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى نمو قطاع الخدمات.

وحاليا، تفوق فرص العمل المتاحة عدد الأمريكيين العاطلين عن العمل الذين يبحثون عن عمل، بما في ذلك في قطاعات مثل التصنيع والنقل، والتي هي أكثر عرضة للأتمتة والتجارة، بل وتقول العديد من الشركات إن الولايات المتحدة لديها الآن عدد قليل جدا من العمال المتاحين.

وتقول إيرينا نوفوسيلسكي Irina Novoselsky، الرئيسة التنفيذية لموقع CareerBuilder.com: «الاستخدام الموسع للذكاء الاصطناعي ضروري بالنظر إلى نقص العمالة الذي يحدث الآن».

وتقوم الشركة بالاستعانة ببرامج الذكاء الاصطناعي للمساعدة في ملء استمارات بعض فرص العمل لديها، كما تستخدم تقنية لمسح السير الذاتية والوصف الوظيفي، ومطابقة العمال الذين قد يكون لديهم المهارات المناسبة لوظيفة ولكن ليس لديهم خبرة محددة. وقالت نوفوسيلسكي إن مثل هذه المطابقة التقنية لم تكن ممكنة قبل بضع سنوات.

أيضا، تستخدم الشركة برامج الذكاء الاصطناعي لقراءة السير الذاتية، حيث تقيم وتفهم المصطلحات بنفس الطريقة التي يمكن للإنسان التقييم بها، لكن دون قيود العمالة البشرية المزعجة، مثل: ساعات النوم أو تناول الطعام.

وفيما يخص المدراء والمناصب القيادية، فمن المحتمل أن يكون كبار المديرين التنفيذيين أقل عرضة للتشريد المحتمل من قبل الذكاء الاصطناعي، مقارنة بالمحترفين ذوي المستوى الأدنى في الترتيب الإداري بالمؤسسات. ووجدت دراسة بروكينجز أن التعرض للذكاء الاصطناعي يهدد 10 % من أصحاب العمل والمدراء فقط.

ختاما، يقول مورو في دراسته: «الرؤساء التنفيذيون أحرار إلى حد كبير من هذا التهديد، فليسوا هم من يقومون بالأعمال المكتبية الطاحنة أو يعدون عروض الباور بوينت PowerPoints التقليدية حتى يخافوا من تلك البرامج».