محمد العلي
«من مفارقات الثقافة العربية المعاصرة، الخاضعة بقوة لقانون الثقافة، انها قد تستورد احيانا المفاهيم، وحتى الشعارات، قبل ان تكون المكتبة العربية قد استوعبت - عن طريق الترجمة - الكتب الامهات التي صيغت فيها تلك المفاهيم.هذا ما حدث لفكرة الالتزام التي استطاعت ان تفرض نفسها بمنتهى القوة في الساحة الثقافية العربية ابتداء من اواسط الخمسينات بفضل تبني مجلة الآداب البيروتية لها.. قبل ان يكون المنبع الرئيسي لهذه الفكرة، وهو كتاب سارتر (ما الادب؟) قد اخذ طريقه الى النشر بالعربية.فكرة الالتزام قد ولدت منذ البداية بنوع من عملية قيصرية فالجنين قد رأى النور بضرب من حمل كاذب وبدون نماء عضوي في رحم الثقافة العربية. وبدون ان ادعي انني كنت واعيا بهذه المفارقة، فقد كان اول حلم ثقافي حلمته هو ان انقل الى العربية النص الاصلي الحامل لفكرة الالتزام بحيث تخرج هذه الفكرة من ضبابيتها وتتأصل في سياقها الطبيعي وتفرض نفسها لا بقوة العدوى والشعار السريع الاهتلاك بل بقوة منطقها الذاتي.. وهكذا انصرفت في اواخر الخمسينات، وانا في السنة الجامعية الاولى او الثانية الى ترجمة نص سارتر الكامل (....).ولا استطيع ان اختم بدون التنويه بأن المحصلة الختامية لنظرية الالتزام وتطبيقها في الساحة الثقافية العربية كانت سلبية.. فنظرية الالتزام لم تتأد في نهاية المطاف الا الى تغليب ادب النضال السياسي والاجتماعي السريع الاهتلاك والشديد التسطيح على الادب الصميمي الذي هو ابقى واعمق (....).ان نظرية الالتزام قد فقدت اليوم مشروعيتها النضالية بالذات.. فقد فرضت نفسها في الحقل التداولي للثقافة العربية في اواسط الخمسينات.. وفي حينه كانت الاحزاب والحركات السياسية العربية ذات البرامج الادلوجية التغييرية لا تزال تحتل مواقعها في خنادق المعارضة (..) ولكن منذ تحولت احزاب المعارضة الى احزاب حاكمة صادرت مفهوم الالتزام.. لتمنع نقد الواقع وتغييره بعد ان باتت هي القيمة عليه..الخ».جورج طرابيشي - هرطقات، ص 149 - 153.ما احاول التركيز عليه هو الفقرات الاخيرة من كلام المفكر طرابيشي التي تدفعنا الى السؤال: لماذا تتحول الفكرة الاجتماعية مثل فكرة (الالتزام) بكل ضوئها الفلسفي الى كرة عندما تدخل الى الثقافة العربية؟ لماذا تتحول الادلوجيا التي لا يؤمن الطريق من دونها الى سلم حين يتم صعودنا عليه نكسره تكسيرا؟!قد بلغنا غاياتنا وانتهى الشوطلقد فاز قدحنا في القداحلماذا تتحول القيم العظيمة عندنا الى ظلال تراها جامدةوهي تمر مر السحاب؟لاشك في ان هناك مؤمنين حتى حب الشهادة ولاشك في ان هناك ملتزمين قابضين على جمرهم.. لكن هؤلاء لا يصلون.. الذين يصلون فقط هم الانتهازيون الذين لا يعرفون من المبادئ الا ان تكون بستانا.mali@alyaum.com