حسين السنونة - الدمام

اعترافات المبدعين تكشف تفاصيل أعمال كتبوها تحت تأثير مواقف متعددة

الواقع هو أكثر الملهمين في الإبداع.. هذا ما أكده قاصون وروائيون، ذكروا أنهم يستلهمون الكثير من إبداعاتهم من الواقع، وأنهم عاشوا مواقف أثرت فيهم وطغت عليهم، فألهمتهم التعبير عنها بقصة أو رواية. هذه المواقف بقيت في ذاكرتهم، وما زالت تحرك مشاعرهم، رغم مرور سنوات عليها، لدرجة أن بعضهم ما زال يبكي كلما قرأها، كأنه يعيش الموقف في الواقع.

» واقعية الموت

يقول القاص محمد الشقحاء: في مجموعتي القصصية الأولى «البحث عن ابتسامة» قصة طفلة صغيرة تموت بعد اصطدام سيارة عابرة بها، وهي خارجة من باب المدرسة، عشت حالة الحزن في كتابتي لتلك القصة وبعد نشرها، وحتى اليوم لم أتجاوز هذا الهاجس، وفي مجموعتي «تداعيات أنثى تصالحت مع جسدها» الصادرة بعد ثلاثة عقود جاء الموت قرينا للشيخوخة في نص اسمه «فاطمة»، الشخصيات واقعية والموت أيضا واقع يطال الحياة بكل أنواعها.

» الشارع المزدحم

ويحكي القاص يحيى العلكمي عن موقف دفعه لكتابة قصة، قائلا: الشارع مزدحم لحظة خروج الموظفين والطلاب، كانت سيارتي الصغيرة العتيقة تنتظم في صف طويل قبالة الجامعة، المحاضرة على وشك البدء، وأنا في مأزق لا يبدو له حل، وحين تقدمت السيارات بضعة أمتار، أبى رجل الأمن إلا أن يعترضها ويبدأ التفتيش على رخص القيادة، حينها أدرت مسجل السيارة مستمتعا بصوت رابح صقر، وضربت بموعد المحاضرة عرض الحائط، فلا أمل مع هذا الصف الطويل، حينها قررت كتابة نص «ساعة زمن» حيث بحت فيه بكل ما اعتراني تلك اللحظة.

» طفل رسام

أما القاصة مريم الحسن فتقول: كتبت قصة عن طفل تأثرت به جدا منذ شاهدته أول مرة، وهو طفل صغير ذو سبع سنوات يجلس على الرصيف ويبيع رسوما بقلمه الرصاص في كراسة مدرسية، الرسمة ثمنها ريال واحد، وتعاطف معه المارة كثيرا، واشتروا منه كل الرسومات، هذا النص تحول إلى قصة مرسومة بعنوان «حكايتي».

» موت الأم

من جانبه، يقول القاص حامد الشريف: عندما كانت والدتي يرحمها الله ترقد على السرير الأبيض في اليوم الأخير قبل وفاتها، ودخلت في غيبوبة بسبب عجزها عن التنفس إلا عن طريق الأجهزة، دام ذلك بضعة أيام، بعدها تم نزع الجهاز ومُنحت الفرصة الأخيرة للتنفس الطبيعي التي لم تنجح في استغلالها. كنت آتيها في ذلك الوقت وهي لا تزال مغمضة العينين، تبدو في حالة بين اليقظة والمنام تشعر بأنها لا تدرك شيئا مما يحيط بها، أسألها وكلي رجاء، أتعرفين من أنا يا أماه وكنت أتمنى سماعها تنطق باسمي، في إحدى المرات أجابتني بكلمة واحدة فقط، فاقت ما كنت أنتظره منها بكثير، قالت لي: حبيبي.. ولأنني استشعرت معنى هذه الكلمة في ذلك التوقيت الصعب ومن أغلى إنسانة بالوجود؛ خلدت هذا الموقف بقصة قصيرة تبكيني كلما قرأتها، سأقوم بنشرها في مجموعتي القصصية الجديدة.

» رمزية الظل

ويضيف القاص خالد الخضري: كانت قصة «شبحها يسكن الظل» الأكثر تأثيرا في مسيرة حياتي الإبداعية، التي كتب عنها عدد من الدراسات النقدية، القصة كانت تتناول جدلية الثنائية بين الرجل والمرأة وحاجة وانجذاب كل منهما للآخر، والركض تجاه بعضهما البعض، في شكل رمزية الظل، وكون المرأة تسكن ظل الرجل وأنه مهما حاول الرجل الركض خلف المرأة فإنه لن يتمكن من اللحاق بها مثلها مثل الظل، والعكس صحيح، فيما يندمج الطرفان في نهاية النص في تماه واندماج عظيم.

» الكلمة الأخيرة

فيما يقول ظافري الجبيري: قصة قصيرة جاءت في المجموعة الأخيرة، وعندما أستعيد لحظات كتابتها أتذكر أني انتهيت من الكلمة الأخيرة ووضعت القلم، وتأكدت أن هذا هو النص الذي كنت أهجس به طوال فترة تشبه الحلم أو ربما وصلت إلى حالة مرضية هذا وقت شفائها، وعندما آن للحالة أن تهطل، أوقفت سيارتي، وبدأت استقبال مخاض أشبه بولادة، وقد كانت القصة في تفاصيلها رحلة في المكان والزمان، كانت متصلة بالنبض الإنساني؛ عبرت الكلماتُ مساربَ الروح ونصبتْ الكتابةُ راياتِها في الساحات والميادين والشوارع وعلى الجسور في مدن العالم.

» وحيد القرن

أما القاص والروائي محمد المطرفي فيقول: قصة مطاردة وحيد القرن التي ما زلت مسكونا بها لم تبارحني لحظة واحدة، فطيف وحيد القرن ما زال يباغتني أحيانا فأهم بالانطلاق خلفه، لكن لياقتي لم تعد تسعفني وأفكر وأنا أشاهد وجهي في المرآة، كعجوزٍ مصابٍ بالزهايمر: هل أنا المطارِد أم المطارَد؟!.