خليل الفزيع

خليل الفزيع

ما يشاهد ويقرأ من أخبار العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الأمريكية في العراق يؤكد حجم البشاعة والقسوة والهمجية التي تجسدها هذه العمليات والتي تنفذ ضد المقاومة العراقية، فعندما تنفجر دبابة أو مصفحة أو حتى سيارة أمريكية، في احد أحياء بغداد، تستنفر القوات الأمريكية كل قواها لإبادة سكان كل المنازل القريبة من مكان الحادث، لا فرق بين أطفال ونساء وشيوخ، فالكل متهم، والكل يستحق الإبادة في نظر القوات الأمريكية، وهذا العنف يخلق حالة من اليأس تدفع من فقدوا أسرهم إلى ركوب موجة الإرهاب، فالأسرة الكاملة إذا لم ينج منها سوى فرد واحد، فإن هذا الفرد لا يجد معنى لحياته بعد أن فقد كل أفراد أسرته، وليس أمامه إلا اللجوء للخلايا الإرهابية بهدف الانتقام، وهو انتقام يولد من جديد عنفا أمريكيا يفرخ أفرادا يسهل احتضانهم لتنفيذ العمليات الإرهابية التي سيكون من ضحاياها حتما بعض العراقيين .. أما إذا استيقظ ضمير أي جندي أمريكي ورفض استمرار المشاركة في هذه الحرب القذرة، فسيحال إلى طبيب نفسي، إن لم تتم إحالته إلى محكمة عسكرية، وبذلك تصبح الديمقراطية التي تزعم أمريكا تصديرها للخارج هي العنف ولا شيء سواه .إضافة إلى أن وجود قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، قد شكل إرباكا للحياة العامة، ازدادت بسببه نسبة البطالة بين شباب العراق، وهم يشكلون قوة جبارة يمكن توظيفها من قبل خلايا الإرهاب للقيام بعمليات إرهابية تزيد الأوضاع تدهورا، وتدور الدائرة على نفس المنوال، فالعنف يولد أشكالا عديدة من الإرهاب الفردي أو الجماعي، رغم كل ما يقال عن الالتباس بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدمر الذي ترعاه فئات طائفية، وتغذيه دول مجاورة تساند تلك الفئات، وتمدها بكل وسائل التخريب والتدمير، لتصفية حساباتها مع أمريكا من جهة، ولوضع يدها على مقدرات الشعب العراقي، الذي استجار من رمضاء صدام بنار الاحتلال الأمريكي الغاشم .ولن نتحدث هنا عن الخسائر الرهيبة التي تكبدتها الخزينة الأمريكية في حربها البشعة في العراق، كما لن نتحدث عما أصاب الاقتصاد الأمريكي من انهيار نتيجة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية التي منحت نفسها حق الوصاية على دول العالم، كما لم نتحدث عن ازدواجية المعايير التي ينظر من خلالها البيت الأبيض للكثير من القضايا العالمية الراهنة، فكل هذه الأمور أصبحت معروفة لدى الجميع، ولكننا نتحدث عن الآثار النفسية الخطيرة التي تتركها أعمال العنف هذه في نفوس الجنود الأمريكيين، الذين يتحولون إما إلى مرضى مصابين بإعاقات جسدية أو نفسية مستديمة، أو إلى مجرمين وأفراد عصابات، بعد أن تعودوا على قتل الأبرياء في العراق، وتبلدت أحاسيسهم ومشاعرهم ضد غيرهم، كما أن ظواهر عديدة وأمراضا مختلفة قد تفشت بين الجنود العائدين إلى الديار، بعد انتهاء فترة عملهم في العراق، ولم يعد المجتمع الأمريكي بمعزل عن أي عمليات إرهابية قد يرتكبها أولئك الجنود، انتقاما لسنوات قضوها من أعمارهم دون جدوى، كما حدث في حرب فيتنام وما خلفته في المجتمع الأمريكي من سلبيات كثيرة، والمحصلة النهائية للوجود الأمريكي في العراق هي صناعة الإرهاب بماركة أمريكية مسجلة، سواء في العراق أو في أمريكا ذاتها، وما يحدث في العراق هو نسخة لما يحدث في أفغانستان وغيرها من أماكن تواجد القوات الأمريكية في الخارج . أليس هذا هو العنف الذي يصنع الإرهاب؟!khalfizaia@alyaum.com