محمد الحرز
الحديث حول موضوع كالمواطنة هو حديث واسع ومتشعب ومتعدد الأوجه والمسارات , حيث يصعب الإلمام بجميع السياقات التي تغذي مثل هذا المفهوم, على الأقل من الوجهة التاريخية للموضوع. وكل مقاربة له لابد لها أن تتوقف عند نقاط ثلاث أساسية هي بمثابة المصدر أو المنبع الذي من خلاله نشأ وتطور مفهوم المواطنة إلى الحد الذي أصبح فيه يمثل إحدى الركائز المحورية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة. النقطة الأولى تتمثل في مبدأ الفردانية : الحقوق والواجبات وتمثلات كل منهما عبر التاريخ. أما النقطة الثانية فتتمثل في مفهوم الدولة الحديثة وخطابها السياسي. والنقطة الثالثة تتمثل في تطور مفهوم المجتمع المدني. هذه النقاط الثلاث ليست بمعزل عن تأثير بعضها على البعض الآخر , وليست كذلك متداخلة حد التماهي. لكنها مجرد اقتراح إجرائي لا أقل ولا أكثر, يساعدنا كثيرا في الكشف عن أبرز المحطات التي تطور من خلالها مفهوم المواطنة تاريخيا واجتماعيا وسياسيا. من جهة أخرى يبدو لي هذا الاقتراح الإجرائي له مبرراته المنهجية ومشروعيته التحليلية , وذلك لأسباب من أهمها صعوبة النظر من زاوية واحدة لتلك التحولات الكبرى التي شهدها الغرب الأوروبي على الصعيد الفكري والسياسي والفلسفي والديني والاقتصادي والاجتماعي والفني, والتي أخذت حركتها كتحولات نوعية كبرى طابع الإيقاع السريع المنفلت من زمامه, وتميز نتاجها المعرفي بالتقلبات والارتدادات والتشظي في جميع الاتجاهات من حقول المعرفة المختلفة. لذلك يبدو لي - أيضا - من الصعوبة بمكان مقاربة مفهوم المواطنة منهجيا انطلاقا من فرع معرفي واحد كالسسيولوجيا مثلا أو الدراسات التاريخية المقارنة, أو كما هو عليه الحال في الدراسات التي تتناول مثل هذا المفهوم وفق منهجية التحليل الانثروبولوجي, أو وفق منهجية التفكير السياسي الحزبي. وهناك مبرر آخر يمكن الإشارة إليه هنا وهو التداخل شديد التعقيد في السياقات المعرفية التي ينتجها الفكر الغربي.مثلا بين الدراسات التي ينجزها علم الدلالة اللغوية من جهة وبين الدراسات التي تنتجها خطابات التحليل النفسي من جهة أخرى, وأيضا بين الدراسات التي ينتجها التفكير الفلسفي وبين الدراسات التي ينتجها علم الأديان المقارن , وهكذا دواليك. إذن انطلاقا من هذه الصعوبات التي تعترض طريق الباحث في مثل هذه المقاربات كان الخيار المناسب هو هذا التقسيم الذي اقترحناه أعلاه في بداية حديثنا. أما الآن فسنوجز الكلام في هذه النقاط الثلاث على التوالي كي نعطي ملمحا عاما أو مدخلا بسيطا عن تاريخ تشكل هذا المفهوم من جهة , ولكي نقيم الدليل – من جهة أخرى – على السمة المفارقة لكل مفهوم نشأ وترعرع في بيئة ثقافية مختلفة تماما عن بيئة ثقافية أخرى. وهذا الاختلاف هو الذي ينبغي مراعاته حينما يتم تحليل المفاهيم والقيم والمصطلحات والتطرق إلى سماتها العامة وروابطها وترحلاتها من بيئة ثقافية إلى أخرى, أو من حضارة إلى أخرى, بخلاف ما هو عليه الحال في الدراسات التي تضع مفهوم الديمقراطية بإزاء مفهوم الشورى الإسلامي دون مراعاة مثل هذه الاختلافات والفروقات. يذهب لويس دومون في كتابه «مقالات في الفردانية» إلى أن الجذور التاريخية لمفهوم الفرد في الديمقراطيات الحديثة ترجع بالأساس إلى المجتمعات التي مارست الزهد , وبالتحديد الحكمة والزهد في المجتمعات الهندية , والذي أطلق عليه مصطلح «الفرد خارج العالم» أي أن الفرد الزاهد لا يعي نفسه على مستوى الروابط الاجتماعية التقليدية فقط حد المطابقة والذوبان , وإنما ما يضاف إليها أيضا التعاليم الصارمة التي يمارسها الزاهد على نفسه بالقدر الذي يشعر فيه بعالم مختلف عن العوالم الاجتماعية التي تحيط به. ورغم الحذر الذي ينبهنا إليه لويس دومون من مغبة التسليم بهذا الرأي دون الأخذ بعين الاعتبار جملة من المواقف والإشكالات التي يعكسها مثل هذا الرأي, إلا أنه لا يؤكد أو ينفي بشكل قاطع هذا الرأي . فهذه الفردانية لا تقطع صلتها بالزهد الهندي , ولا هي أيضا صورة مطابقة للفردانية التي تعيشها المجتمعات الحديثة. لكنها بالتأكيد وثيقة الصلة وإن بصورة ضمنية بالزهد وتطوراته. والسؤال الذي يثار هنا هل الفكر الانثروبولوجي الغربي الذي ينتج مثل هذه النظريات والآراء حول أصوله السياسية والاجتماعية والثقافية هو مجرد تكريس للمركزية الغربية وتأبيد للتفوق الغربي ضد الشعوب الأخرى كما يذهب إلى ذلك أغلب المفكرين , وأخص بالذكر هنا جورج قرم الذي عاب على مثل هذه النظرية وغيرها من النظريات في الفكر الانثروبولوجي اعتمادها على المتخيل الديني الذي صاغت من خلاله الثقافة الغربية مفاهيمها وتقاليدها الأنثروبولوجية؟ ولأن هذا المتخيل هو المسؤول عن تصورات الغرب النرجسية والعبقرية عن نفسه فهو مدان وينبغي فضحه. مثل هذا النقد للفكر الغربي في تصوري غير مجد تماما , ناهيك عن أنه يخلط السياقات المعرفية بعضها فوق بعض في خطاب سجالي لا يمتلك من عناصر التحليل سوى الاستقطابات الثنائية بين الأنا والآخر كما يقوم به جورج قرم. بينما المطلوب من الباحث الناقد اتخاذ مواقع معرفية لا ينجر فيها إلى السجال , ولا يستسلم فيها إلى أحابيل الإيديولوجيا الحديثة في جميع مظاهرها سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي أو الفني. بل يظل في جدل دائم حول خياراته المنهجية وتصوراته المعرفية وهذه إحدى ميزات الفكر النقدي الغربي. في مقالة أخرى سأكمل بقية النقاط.Mohmed_z@hotmail.com