حسن السبع
كان علي دائما أن أبادر بالحديث حتى لو كنتُ ضيفه. ولكي لا يمر الوقت ثقيلا، لعدم وجود اهتمامات مشتركة، فإنني عادة ما أحرضه على الكلام بالسؤال عن أصدقائه وجيرانه الذين أعرفهم. سألته: ما أخبار فلان ؟ فقال: أعانه الله على نفسه! قلتُ: ما حكايته؟ قال: أراد، يوما، أن يجدد حديقة منزله، فاقتلع بعض الأشجار، ورمى بها إلى الشارع كي يلتقطها عمال النظافة، لكن جاره أبا فلان كان أسرع من العمال، فاختار من الأشجار التي رماها صاحبنا فسيلتين ليزرعهما في فناء منزله. عندئذ قامت قيامة صاحبنا احتجاجا على جاره. بأي حق يأخذ تلك الأشجار المهملة ؟ لقد اقتلعها ورماها خارج بيته، ومع ذلك فهو لا يريد لأحد أن ينتفع بها! ولأن الأشياء تعرف بأضدادها، كما يقال، فقد ذكرتني هذه الحكاية بحكاية أخرى مختلفة موضوعها أريحية وإنسانية الزعيم الهندي مهاتما غاندي. يُحكى أن غانـدي كان يجري بسرعة للحاق بالقطار، وقد بدأ القطار بالسير، وعند صعوده سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه، فما كان منه إلا خلع الفردة الثانية ورماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار فتعجب أصدقاؤه، وسألوه: ما حملك على ما فعلت؟ لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟ فقال غاندي: أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما، فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده، ولن أستفيد أنا من الفردة التي بحوزتي! ويبدو أنه لا حاجة للتعليق على هاتين الحكايتين.ستجد الأضداد أينما ذهبت، والحكايات في هذا السياق كثيرة. أما أكثر ما يضايق السائح في بعض البلدان العربية فهم أصحاب سيارات الأجرة الذين لا يستخدمون العداد. تخرج من الفندق أو من المطار وتطلب سيارة أجرة، وقبل أن ينطلق السائق تسأله عن أجرة المشوار فيقول لك: «اللي يجي منك بركة». إجابة مطَّاطة ظاهرها فيه الطيبة والقناعة وباطنها يضمر الجشع. سوف تدفع له في نهاية المطاف أكثر مما يستحق، فأنت أعرف منه بشعاب المدينة. تسلمه «البركة» مضاعفة، لكن الجشع وعدم الصدق والفهلوة المتأصلة في النفس تدفعه إلى طلب المزيد. ولا تملك إلا أن تدفع له ما يريد، لأنه لا وقت لديك للمفاصلة. هذا وجه من وجوه الجشع. وفي إحدى العواصم العربية توقفت سيارة الأجرة بنا عند إشارة للمرور ، فتقدم شحاذ طويل عريض ضخم المنكبين «مشرئب الأبعاع» كما يعبر عادل إمام. طفت على الذاكرة صورة شمشون الجبار التي تصورتها حين كنت صبيا. كان ذلك الشحاذ يصلح، بكل تلك المواصفات الجسدية، أن يكون مصارعا أو عتالا على أقل تقدير. فتحتُ زجاج نافذة السيارة وأعطيت (شمشون) كل ما توفر عندي من (فراطة) كما يسميها أهل الشام، ولم تكن قليلة، لكنه رفض أن يأخذها، وصار يدعو علينا بأن يصيبنا ما يصيب الظَلَمَة والمجرمين، وكان قبل ذلك بقليل يدعو لنا بالتوفيق وطول العمر. المسألة، إذن، ليست مسألة فقر أو ظروف معيشية صعبة بل مسألة أخلاق. قد يعترض على ملاحظتي الأضداد من عشاق الخلاف والاختلاف. ليكن، وما دام (الأضداد) هم موضوع هذا المقال فسأذهب مع المعترضين حتى النهاية، فأسرد لهم هذه الحكاية التي يرويها الشاعر الهندي الشهير طاغور، لأنها من أفضل ما يجسد ذلك التضاد الذي أتحدث عنه. يورد طاغور في كتابه (ذكرياتي) هذه الحكاية المؤثرة: في أحد أيام الشتاء، رأيت وأنا أعبر شارعا في (تونبريج ويلز) رجلا يقف على جانب الطريق، وأصابع أقدامه العارية تظهر من ثغرات حذائه المشقق، وجزء من صدره مكشوف، لم يبادرني بشيء، ربما لأن التسول كان ممنوعا، لكنه رفع بصره في وجهي لوهلة. ولعل قطعة النقود التي أعطيته إياها كانت أكثر مما توقع، لأنه تبعني بعد أن ابتعدت قليلا وقال: «يا سيد، لقد أعطيتني قطعة ذهبية بالخطأ» وعرض علي إعادتها! لم تكن تلك حالة نادرة وعابرة لا يقاس عليها، فقد روى طاغور أكثر من حكاية مشابهة لهذه الحكاية. ولعل ذلك المحتاج الإنجليزي أكثر فقرا ومتربة من صاحبنا شمشون الذي لن يتغير طبعه سواء عمل وزيرا أم سائق سيارة أجرة أم شحاذا. hsn_saba@hotmail.com