جميل بن عبد الله الجشي يكتب :

«كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».رحمك الله يا أبا أسامة رحمة الأبرار وأسكنك الفسيح من جناته. نسأل عنك يقولون في لندن وسيعود قريبا، وانتظرنا عودتك... وعدت، ولكن!! ولكن ماذا؟ إرادة الله ولا راد لحكمه.أتذكرك يوم أتيت إلى مركز الأبحاث والتنمية الصناعية، وكنت قد سبقتك إليه بسنة أو اثنتين، جئت بنفس التخصص وبنفس الشهادة، وحاول بعض الإخوان دفعك للعمل في مكان آخر، ولكنك قاومت، كما يبدو، ولا أدري لماذا؟ ولعلها نفس الأسباب التي دفعتني للعمل في المركز.وأصبحنا زميلين نعمل لنفس الغرض: التنمية الصناعية. ومضى كل منا يحاول بقدر استطاعته، وبأسلوبه الخاص، لتحقيق ذلك الغرض. وجاءنا زميل ثالث، د. محسون جلال، رحمه الله، وجذبنا، الاثنين، للعمل في الجامعة، وسرت أنا في طريق «التنظيم الصناعي» وسرت أنت في طريق «التسويق». وتعاونا على فتح مجالات التدريب لطلبة الجامعة في المصانع وفي المركز، وساعدنا في ذلك مدير عام المركز المهندس محمود طيبه، رحمه الله، والأستاذ ناصر الصالح نائب المدير العام، حفظه الله، وسارت بنا دواليب الحياة.اخترت أنا استكمال دراستي في أمريكا، ومضيت أنت تأخذ الحكمة من الهند. وعندما ذهبت أنا لأمريكا، كنت أنت «وكيلي» على ما تبقى من راتبي، تتسلمه في كل شهر وتسلمه لأهلي بكل أمانة، وكانوا في أمس الحاجة إليه. وخلال وجودي للدراسة، تغيرت إدارة المركز وأسند إليك منصب نائب المدير العام، ولم يتغير شيء بيننا.وعدت إلى المركز بعد إنهاء دراستي وواصلنا العمل في خدمة الصناعة المحلية بالتعاون مع زملائنا السعوديين الكرام، رحم الله المتوفين منهم، وحفظ الله الأحياء، ومجموعة من الخبراء الأجانب.ويعيش الوطن بعض الأحداث. وتنشأ «الهيئة الملكية للجبيل وينبع»، وتنشأ «الشركة السعودية للصناعات الأساسية – سابك». ويرشحني د.غازي القصيبي، رحمه الله، للعمل في «مشروع الجبيل» بالهيئة الملكية، ويرشحك نائبا للرئيس والعضو المنتدب لسابك. وهكذا نخرج سويا من مركز الأبحاث لنلتقي على أرض الجبيل، أنت مع د.غازي تخططون وتفاوضون وتعملون لإقامة الصناعات الأساسية، ونحن في الهيئة الملكية، بإشراف الشيخ هشام ناظر، رحمه الله، نعمل على بناء التجهيزات الأساسية التي تحتاجها المصانع، والمدينة السكنية التي سيعيش فيها العاملون في تلك المصانع. وبقدر ما كان التعاون مطلوبا ومتحققا بين الوزراء، كان التعاون سائدا بيننا، منسوبو الهيئة الملكية ومنسوبو سابك. وبفضل الله وتوفيقه، ثم بتوجيهات القيادة، وذلك التعاون على كل المستويات، تنشأ وتقام المصانع، وتنفذ التجهيزات الأساسية، وتقوم مدينة الجبيل الصناعية، فخرا للوطن ورافدا مهما لاقتصاده، رغم أنف المشككين والمعارضين.وتواصل طريقك في خدمة الصناعة، كوزير للصناعة والكهرباء، ثم كمستثمر ومؤسس لأكثر من شركة صناعية، وأواصل طريقي في خدمة الوطن في مجالات التنمية الأخرى، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.هذه قصتنا باختصار.. أيها الصديق العزيز. واليوم ينتهي المشوار «وتبقى من المرء الأحاديث والذكر». رحمك الله، يا صاحب الذكر الطيب، وأسكنك الفسيح من جناته وألهم ذويك وجميع محبيك الصبر والسلوان. إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون.