محمد العلي

محمد العلي

أخذت العنوان، وهو بيت شعري، من الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان حيث تقول في سرب جميل من الكلمات:«من كسر مصباح القمر؟أي مطر هذا الذييطفىء النجوم بحذائه؟ أين نافذتي أيتها الجدران؟من ابكى الصفصافة على ضفة روي؟»اخذته عنوانا لأطلب من القارىء ـ أي قارىء ـ ان يحدد لي نوعية الجدران التي تخاطبها الشاعرة سائلة عن نافذتها.. ذلك لأن الجدران ليست هي فقط تلك الأربعة التي تحيط بنا وتتسع وتضيق حسب ذات اليد وتكون فيها نوافذ جارات للقمر وأخرى في قبضة التراب.. لا.. الجدران ليست هذه فقط.. فهناك جدران تحيط بالإرادة وبالعقل و الروح وحتى بالأحلام.سيقول قارىء:ان الجدران التي تخاطبها سوزان هي الجدران السياسية. ولا اعتقد ذلك لان الجدران المخاطبة فيها نوافذ، ولكن ليس للشاعرة نافذة منها.. والجدران السياسية العربية لا نوافذ فيها لسوزان او لغيرها اصلا.لقد فتحت تلك التي يسمونها، الديمقراطية في جدران السياسة في بعض المجتمعات والامم نافذة كبيرة يطل منها المواطن مهما كان جنسه ولونه وعقيدته يطل منها على الشمس وعلى مكانته وفرديته ومواطنته في المجتمع.. وبذلك ينفي حالة الاغتراب الروحي التي يعيشها الفرد في مجتمع لا نوافذ له.. ولكن دعنا من هذا الآن لأن الشاعرة لم تكن تعني هذا، بل عنت شيئا آخر.وسيقول قارىء:ان الشاعرة تقصد جدران اللغة ومفرداتها.. لان المبدع لايكون مبدعا الا اذا امتلك اسلوبه الخاص ولغته غير المشتركة التي يسبح في حوضها انصاف المبدعين.. ولان الشاعرة تطمح الى أفق قريب من زحل ابداعيا.. فهي تسأل جدران اللغة عن نافذتها الابداعية والجمالية الخاصة.ولا اعتقد ان سوزان قصدت هذا.. فاللغة ليست عامل بناء او نجارا يقيم نافذة لهذا ولا يقيمها لذاك.. ان اللغة مهرة جامحة تستجيب فقط لمن يروضها.. ان المبدعين هم الذين يصنعون النوافذ في اللغة وليست هي التي تصنع لهم.وسيقول ثالث:هناك جدران اعظم قوة وإحكاما للحصار من جدران السياسة وجدران اللغة.. إنها جدران المجتمع المتخلف.. تلك التي يبنيها في داخل أفراده عن طريق التربية و التعليم وصياغة الأفراد حسب إرادته لا إرادتهم.. هذه الجدران هي التي تصرخ فيها الشاعرة وتسألها باستنكار عن نافذتها الإنسانية تلك التي تحقق بها ذاتها.لما سمعت ما قاله القارىء الثالث المفترض هذا ضحكت.. فسوزان لبنانية.. ولبنان كثير النوافذ.. لايظن عاقل ان سوزان قصدت جدرانا اجتماعية.. ان هذا شأن شاعرة تعيش هنا.. هذا إن سمح لها أن تكون شاعرة من البداية..mali@alyaum.com