محمد الحرز

محمد الحرز

موضوع المؤسسات الثقافية الرسمية موضوع شائك, لاسيما التساؤلات التي تثار حول المثقف وارتباطه بها, والشكوك التي تطعن في شرعيته كمثقف في حال انتمى إلى هذه المؤسسة أو تلك. هذا الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية ,لأن السجال حوله في مجتمعنا المحلي يكشف عن بعض القضايا التي تمس طبيعة التصورات والوظائف والقيم التي تحتل مساحة شاسعة من التفكير سواء عند المثقفين أنفسهم أو عند عامة الناس من أبناء المجتمع. وأود في هذه المقالة أن أبني فرضيتي على التساؤلات التالية : لماذا يتم تجريم المؤسسات الرسمية؟ هل لكونها حكومية فقط, وبالتالي أي ارتباط بها من جهة المثقف يعتبر ارتباطا لأهداف وغايات ليس لها شأن بالثقافة والمثقف, بل كما يرى الكثير هو ارتباط يفضي إلى نوع من التوظيف الإيديولوجي لصالح المؤسسة ضد مكونات الحرية عنده, وإذا فقد هذه المكونات لا تصبح شرعيته قائمة كمثقف, حيث يصبح مجرد ناطق باسم المؤسسة رغب في ذلك أم لم يرغب؟ وهل التعارض الحاد بين المؤسسة من جهة والمثقف من جهة أخرى قائم على تعارضات أخرى من قبيل السلطة إزاء الحرية؟ وهل الخطابات والأحداث والوقائع التاريخية تزيد هذا التعارض الحاد حد القطيعة؟ قد تبدو الفرضية التي نطرحها أكبر من كونها علاقة التباس ونفور وعداء بين المؤسسة والمثقف فقط، لكنها تتجاوزها إلى علاقة أشمل تأتي في إطار علاقة الدولة بوصفها سلطة مطلقة, بالمثقف بوصفه مواطنا بالدرجة الأولى، لكن ما يقيدنا هنا هو كوننا لا نسعى إلى نفي هذه العلاقة أو إثباتها أو تحديد إطارها وسماته. فقد أشبعت هذه بحثا وتحليلا على يد الكثير من الباحثين والمفكرين, بل نريد التركيز على قضية أخرى وثيقة الصلة بهذا التعارض, ولكن على الأرجح بصورة غير مباشرة. تتمثل في حقيقة كون المؤسسات الثقافية والأدبية بخلاف غيرها من المؤسسات الأخرى, لا تملك معايير وقيما صارمة ومحددة تفرضها بقوة على كل ما ينبغي أن يكون عليه المثقف سواء في طريقة تفكيره, أو في منجزه الإبداعي والفكري النقدي، أو في مجمل قناعاته وعلاقاته الاجتماعية أيضا. صحيح يحدث بينهما نوع من التواطؤ الضمني على مراعاة بعض الشروط التي تضمن للمؤسسة سلطتها, وبالتالي هيمنتها وهيبتها على المجتمع, إلا أن ذلك لا يؤدي بالضرورة ـ في كل الأحوال ـ إلى الخضوع المطلق لهذه السلطة. إن سلطة الأفكار عند المثقف لا تحكمها المؤسسة ولا تسيطر عليها بالضرورة. إنها سلطة شروط إنتاجها عادة تأتي من خارج المؤسسة, أي بإمكان المثقف القدرة على العمل والإنجاز إبداعيا وفكريا ونقديا دون أن يشكل الانخراط في العمل المؤسساتي عائقا حقيقيا شريطة أن يحمل هذا العمل سمات عميقة في دلالتها على الوعي الثقافي, أقلها التجديد, واستشراف آفاق المستقبل, والإيمان بالمجتمع ككتلة واحدة, والذهاب إلى مناطق في التفكير والإبداع تكون بمثابة القاعدة التي يتم من خلالها إعادة صياغة إنسان مجتمعاتنا من جديد. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل في كلامنا ما يشي بمثالية مفرطة بالنظر إلى واقع الحال التي تعيشها هذه المؤسسات مع النخب المثقفة في بلادنا؟ ينبغي عدم الاستعجال في الإجابة, أولا- لأن نخبنا المثقفة ليست طيفا واحدا , وردود أفعالها حيال المؤسسة متباينة في الاتجاهات والمقاصد والمبررات, منهم الملتزم الصمت , ومنهم من يناصبها العداء سرا وعلانية, ومنهم المنخرط في سياقها مع حذر شديد كي لا يقع في فخاخها, ومنهم المنخرط في وظائفها الإيديولوجية حد الثمالة. ثانيا- وبسبب السمات المتباينة والمتباعدة للتكوين الجغرافي والتاريخي لدى المثقف تحدث مثل هذه التباينات في ردود الأفعال، لذلك يصعب الركون إلى فكرة واحدة حول واقع الحال الذي تعيشها هذه المؤسسات. ثالثا- من خلال الواقع التاريخي للمؤسسة في بلادنا نجد أنها لم تكن تشكل عائقا في سيرورة العمل الإبداعي والثقافي عند المثقف, لسبب بسيط وهو أن المؤسسة لم تكن في أذهان معظم المثقفين المرتبطين بها عضويا, منذ بداية تشكل الدولة إلى سبعينيات القرن المنصرم, لم تكن تركيبا معقدا ذات طابع استقلالي كجهاز بيروقراطي له سلطته وقوانينه الصارمة , بل كانت في معظم الأحيان تتماهى مع هوياتهم المناطقية، وهذا التماهي هو بالتحديد ما يجعل ارتباطهم بالثقافة والإبداع أكثر حرية وفاعلية وإبداعا. خذ على سبيل المثال المثقفين الذين ارتبطت أسماؤهم ببدايات تشكل المؤسسات الصحفية, وهنا يخطر على بالي العلامتان حمد الجاسر وعبد الله بن خميس وغيرهما الذين استطاعوا أن يؤسسوا لوعي ثقافي رغم قربهم من المؤسسات الرسمية، لذلك ما يهم المجتمع ونخبه المثقفة والأجيال اللاحقة هو هذه التجارب التي تركت أثرها بصورة واضحة على مجتمعاتها، حيث إن التزامها بالمؤسسة لم يكن يعيق وعيها الاجتماعي والثقافي على الإطلاق, والأهم هو أننا نتعلم منها معنى الالتزام الأخلاقي حيال مسؤولية المثقف تجاه مجتمعه, انطلاقا من التزامه بالعمل المؤسساتي، وهذا بالتحديد ما يفتقده صاحب العداء المطلق للمؤسسة لأنه يتغافل تماما أن مجمل خطابات المؤسسات الثقافية والأدبية لا تنهض ولا تتوجه إلا إلى المجتمع. ورغم ما يشوب هذا التوجه من توظيف مذهبي وطائفي ومناطقي , إلا أن ثمة مسارات عديدة وأنساق مختلفة باستطاعة المثقف أن يتبناها للوصول للمجتمع من خلال المؤسسة، والإيمان بالوطن والمسؤولية تجاه مجتمعه هما العصاتان اللتان تقودانه إلى وعيه بوصفه مثقفا.Mohmed_z@hotmail.com